هذا سؤالٌ يشغل بال جميع الآباء والأمهات، بل وكل من على وجه الأرض، دون مبالغة. حتى لو لم تكن أباً أو أماً، فلا شك أن هناك قلقاً ولو بسيطاً بشأن مستقبل الأجيال القادمة، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل هذا الكوكب. في الماضي، كان مستقبل الأجيال يعتمد على ما إذا كانوا سيتمتعون بصحة جيدة، وسعادة، وتعليم أفضل، وحياة أكثر راحة وتقدماً. أما اليوم، فقد تجاوز التفكير في الأجيال القادمة مجرد الطعام والشراب؛ إذ يتمحور أساساً حول ما إذا كانت ستوجد أجيالٌ أصلاً وسط كل هذا الدمار. وإذا نظرنا بتفاؤل، وسط الكوارث الطبيعية والبشرية، بما فيها الحروب والمجاعات والدمار وانتشار الأمراض والحروب الاقتصادية والصراعات السياسية الشرسة، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن في هذا الجو المشحون بكل هذه الصراعات هو: ما هو مستقبل الأجيال القادمة؟ علاوة على ذلك، مع كل التطورات التي شهدها الذكاء الاصطناعي والتي غزت كل جوانب حياتنا، بات وجود العنصر البشري مهددًا، إما بالانقراض أو بالاستغناء عنه. ولا أدري إن كان البشر سيخدمون الروبوتات يومًا ما في الأجيال القادمة، أم أننا نحن من ابتكرنا الذكاء الاصطناعي لخدمة العنصر البشري. من الملاحظ أن تزايد تكليف الذكاء الاصطناعي بمهام بشرية، سواء في التفكير أو أداء الواجبات، يُضعف القدرات البشرية تدريجيًا. لطالما دربنا الأجيال على استخدام قدراتهم العقلية في الاكتشاف والاختراع، حتى أولئك الذين لا يملكون قدرات عقلية كُلِّفوا بمهام كالصناعة والزراعة والبناء، وكل الأعمال التي تتطلب جهدًا بدنيًا. ولا يزال هذا الأمر قائمًا إلى حد ما اليوم. لكن السؤال هو: هل سيستمر هذا الاعتماد الجوهري على البشر في الأجيال القادمة؟ هل يمكننا أن نكون على يقين من أن القدرات العقلية البشرية لن تتراجع مع ازدياد اعتمادها على الآلات في التفكير وأداء المهام العقلية بدلًا من الاعتماد على نفسها؟ حتى أن مصطلح "تدهور القدرات العقلية" قد ظهر مؤخرًا. سؤال آخر يطرح نفسه: هل ستتمكن الأجيال القادمة من رؤية وجوه بعضها البعض، في ظل ما نراه اليوم من جيل يسير في الشوارع، ويقود السيارات، ويستخدم وسائل النقل العام دون أن يلاحظ وجوه وملامح من حوله؟ بل قد لا ينتبه البعض لما يدور حولهم إلا إذا حدث أمرٌ لافتٌ للنظر، فحينها قد يرفعون أبصارهم عن هواتفهم لينظروا حولهم، إن لم يكونوا منتبهين تمامًا في غير ذلك.
من الممكن أن يرفع المرء نظره عن هاتفه وينظر حوله، هذا إن لم يكن يرتدي سماعات تعزله عن الواقع وعن سماع ما يدور حوله. في الواقع، حتى أفراد العائلة الواحدة باتوا يتعرفون على أخبار بعضهم البعض عبر فيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي. لقد أصبح الجيل الحالي أكثر انعزالًا وانطوائية؛ يعيشون حياتهم خلف الشاشات، ويزيفون كل شيء، ويعيشون حياةً مليئةً بصورٍ سريعةٍ زائفةٍ لمجرد التباهي أمام غرباء لا يعرفونهم. أصبح الجميع مهووسين بعدد الإعجابات على كل صورة، ويتباهون بقصص حتى لو لم تكن حقيقية، ساعين لكسب تعاطف زائف في مواقف مفتعلة، ومتطلعين إلى مكاسب سريعة بطرق تبدو سهلة وسريعة، لا تتطلب أي جهد بدني أو ذهني، أو إبداع، أو سعي وراء أي هدف ذي معنى، سواء كان متعة فورية، أو اقتناء أشياء، أو عيش حياة زائفة. حتى العلاقات الإنسانية تضررت؛ فقد أصبح الجميع إما أكثر عنفًا أو أكثر استهتارًا بمشاعر الآخرين، أو يبحثون عن علاقات عابرة وغير ملتزمة، أو يتخلون عن من يرتبطون بهم أسرع مما ارتبطوا بهم. في ضوء كل هذا، كيف لنا أن نتوقع مستقبلًا للأجيال القادمة إذا كان الجيل الحالي يعيش في مثل هذه الخسارة والتشتت والظروف الإنسانية الكارثية؟ قد يتساءل البعض: يعتقد البعض أن المتضررين هم فقط من يعيشون في مناطق الحروب والكوارث، لكن تحليلًا أعمق للواقع يُظهر أن العالم بأسره متأثر، وأن هناك من يقود الجميع إلى الجنون. لا يمكن لأحد أن يتنبأ بصدق بمستقبل الأجيال القادمة، والتي، للأسف، بالنظر إلى الظروف الحالية، أتوقع أن تكون الأكثر تعاسة من بين جميع الأجيال التي وُجدت على الأرض.