منذ حوالى شهرين قررت ترك عملى والجلوس فى المنزل، هذا العام هو العام الذى سأكمل فيه العقد الخمسين من عمرى ، الجميع أعتقد أننى قد جننت، ففى ظل البطالة المنتشرة بين الشباب والأقتصاد المتدهور أقرر أنا التخلى عن وظيفتى الحكومية التى ظللت بها لمدة خمسة وعشرون عاما، الجميع أيضاً أعتقد أننى تركت العمل بسبب أحدى رئيساتى التى تضمر لى الحقد والشر فى نفسها ولمدة ١٠ سنوات أرتنى فيها أصناف من المضايقات، والحقيقة ظاهريا كان هذا أحد الأسباب، لكننى منذ عملت بتلك الوظيفة وأنا أكرهها فلم أحب يوما أن أكون أخصائية أجتماعية، لكننى تحملت حتى أنتهى من الحصول على الدكتوراه وأحصل على وظيفة أخرى وقد حصلت على الدكتوراه منذ عشر سنوات، لكنى من وقتها أحاول الحصول على وظيفة مختلفة ولم أفلح أبدا.
تلك الوظيفة لم تمثل يوما لى إلا ذكرى سيئة وحاضر ينم عن فشلى، الذكرى السيئة جاءت عندما كنت فى المرحلة الثانوية واضطهدتنى إحدى الأخصائيات الاجتماعيات لتجامل زميلها مدرس الفرنساوى الذى أعتبرنى سيئة لمجرد أننى لا أخذ لديه درس خاص وساعدته هى ولم تبتعد عن طريقى إلا عندما زارتها أمى فى منزلها وأهدتها هدية فقبلتها وتغيرت معى، منذ ذلك اليوم أعتبرت أن كل من يعمل بهذه الوظيفة شخص سئ، وربما لذلك السبب حاولت أن أكون عونا دائما لطلابى وداعمة لهم وكنت أرفض أى محاولة أضطهاد من مدرس لطالب، وكنت أتعامل معهم كأنهم أبنائى وبالفعل حظيت بمحبة معظم الطلاب الذين عملت معهم وبفضل الله تركت فى حياتهم بصمات غيرت حياتهم وجعلتهم يحرصون على التواصل معى لسنوات عديدة بعدها.
أما الحاضر فكان معناه أننى شخص حاصل على دكتوراه فى الآداب وفى تخصص الأنثروبولوجيا الطبية ويعمل فى مجال لا علاقة له به، وبينما يتسابق من هم مثلى على نشر الأبحاث العلمية وحضور المؤتمرات ومحاولة تغيير حياة البشر ، أغرق أنا فى الدفاتر والأعمال الورقية والكتابية ويضيع عمرى بين متطلبات رؤسائى الذين كانوا يتلذذون بأن يشعروا أنهم يرأسون من هى أعلى منهم مؤهلا ويضايقونها، قد يبدو كلامى فيه نبرة تعالى وتكبر ولكنها الحقيقة للأسف، كما أن العمل فى مجال التربية والتعليم كان يشعرنى دوما بأن الجميع يتحركون إلا أنا الزمان وقف عندى، لا تغيير لا تطور لا مستقبل لا طموح لا أمل فى شئ مختلف.
كنت أشعر كل يوم بالموت البطئ كان كل شئ يدمرنى فى هذه الوظيفة، وكنت قد اتخذت قرارى بترك الوظيفة منذ خمس سنوات، لكن صديقاتى أثنونى عن هذا القرار وظلوا يقننعوننى بأن هذا قرار خاطئ كيف أترك كل تلك السنوات دون راتب تقاعدى، ماذا سأفعل فى وقت فراغى وأنا المرأة التى تعمل واعتادت الخروج من المنزل كل يوم لمقر عملها والتفاعل مع الناس والطلاب وأولياء الأمور، بالتأكيد سأصاب بالاكتئاب وسأتحسر على تلك الوظيفة لكن بعد فوات الآوان.
أما أنا فقد كنت أعرف أن سلامى النفسى معرض للخطر وأننى بسبب هذه الوظيفة فقدت مهارتى فى الكتابة، وفقدت شغفى وفقدت كل هواياتى، حتى علمى الذى أنفقت عمرا طويلا فى دراسته لم أستفد منه أبدا ولم يستفد منه أحد، وماهو المغزى أن يضيع الأنسان عمره داخل حياة يكرهها ويستطيع التغيير ولا يحاول، والحقيقة أننى كلما كنت أقدم على تلك الخطوة كنت أجبن وأتراجع وأسمع صوت صديقاتى ووالدى رحمة الله عليه يحذرنى من تهورى، لكننى فجأة أكتشفت أن الشخص المغامر داخلى لم يمت بعد، وأننى استطيع أن أتحرر من كل القوالب المزعجة التى يعتقد الناس اننا لابد أن نعيش وفقا لها لأنها القوالب المثالية لحياة مستقرة، وفجأة نفضت التراب عن ذلك المارد الثائر بداخلى وتركت العمل وقررت أن لاعودة للوراء، واليوم بعد مرور شهرين وهى ليست بالمدة الطويلة قررت أن أكافئ نفسى بأن أحيي نفسى على ذلك القرار ربما أتى التغيير متأخرا لكن أفضل من أن لايأتى أبدا وحقا أنا سعيدة جدا بذلك القرار وبما ترتب عليه من قرارات أخرى.
نصيحتى تغيروا لم يفت الأوان بعد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق