الاثنين، 18 فبراير 2013

مجرد تشابه

اليوم هو حفل زواج أخى الأصغر الذى ولد على يدى وساعدت أمى فى تربيته، وصلتنى الدعوة بالبريد وكأنى غريبة، منذ ماتت والدتى وحتى قبل موتها بفترة وأخوتى توقفوا عن السؤال عنى، انفصلت عن منزلنا منذ طلاقى من زوجى الذى تزوجته إرضاءً لوالدى رحمه الله وحتى لا أعوق زواج أختى التى تلينى بسبب عدم زواجى وحاولت الاستمرار فى زواجى رغم التناقضات التى كانت أكبر من أن تعالج فى زواجى ولكنى فشلت، ومنذ طلقت والعائلة تتجنبنى ولا ألوم أى فرد فى عائلتى على ذلك، وآثرت أن أظل بعيدة عن منزلنا، الذى كان يعيش فيه كل فرد حياة منفصلة فلم أشعر أبداً أن لى أسرة مترابطة متحابة، حتى أننا كنا نعرف أخبار بعضنا بالصدفة بل كان أصدقاؤنا يعرفون عنا أكثر مما نعرفه عن بعضنا، لا أدرى خطأ من هذا الوضع.
لكنى كلما دخلت واحد من منزل أياً من صديقاتى تحسرت على الوضع فى منزلنا، حيث دائماً ما كنت أشعر أن هناك ترابطاً أسرياً وخيطاً قوياً متيناً يربط كل صديقاتى بعائلاتهم وبالرغم من كل محاولاتى لتصحيح الوضع داخل منزلى إلا أنها باءت جميعها بالفشل بل أعتقد أخوتى أننى أحاول التسبب فى مشاكل لهم والسيطرة عليهم وقابلوا كل محاولاتى بالرفض التام حتى أن أمى نفسها كانت تهاجم محاولاتى لأسباب لم أفهمها، ولأنى عشت فى منزلنا وحيدة غريبة لا أجد من أحدثه عن نفسى، ولا أجد من يستمع إلى فلم أتأثر كثيراً عندما طلقت عشت وحيدة وتجنبتنى عائلتى، بل يمكن القول أننى آثرت أن أعيش وحيدة داخل منزل لى أستأجرته، وعشت حياة هادئة كنت قد تعودت عليها وأنا فى منزل عائلتى فقد كنت آكل وحدى وأنام وحدى وأخرج للتسوق وحدى وحتى فى لحظات المرض كنت أعتمد على نفسى فى تمريض نفسى أو بعض الصديقات المقربات.
لم تجمعنى بأخوتى سوى مناسبات قليلة كانت رسمية، تبادلنا التحيات والقبلات والأحضان الباردة وجلس كل منا فى مكان بعيد عن الآخرين حتى أننا كنا نتجنب النظر لبعضنا البعض، كنت أجلس وحدى كثيراً أبكى وأنا فى منزلنا وحتى عندما طلقت وعشت فى منزل منفصل، كنت أبكى ليس عليهم بل على حياة أسرية لم أعشها قط، وكل ما كنت أتمسك بزوجى لأجله هو تعويض ما فاتنى أن أعيشه داخل منزلنا لكنه لم يساعدنى، فقد كان يشبه عائلتى.
المهم ارتديت ملابس السهرة وخرجت من منزلى لحضور حفل زواج أخى الأصغر، ذهبت وحدى بلا فيق، فلم أجد من يرافقنى وخشيت دعوة إحدى الصديقات حتى لا يتضايق أخوتى، كنت أرغب أن استعيدهم الليلة بقوة وأن أصنع رباطاً عائلياً يجمعنا سوياً بقية العمر، دخلت القاعة واستقبلنى والد العروس ووالدتها لم أكن قابلتهم من قبل، ومن الواضح أن ذكرى لم يأت على لسان أخى حتى أننى ذكرت اسمى رباعياً فلم يفطنوا لتشابه اسمينا أنا والعريس وأجلسونى على مائدة وسط مجموعة من الناس الذين لا يعرفوننى ولا أعرفهم ولا أعرفهم، قبعت فى مكانى بهدوء وانتظرت قدوم أحد أخوتى فجاء أخى الأوسط وزوجته وأختى الوسطى والصغرى وأزواجهم، اتجهت اليهم آملة أن يفسحوا لى مكاناً بينهم حتى أتخلص من الغربة الفظيعة التى استشعرها بجوار من كنت أجلس معهم وخاصة أن مائدتهم كان بها كرسى شاغر حول مائدتهم، ذهبت أفتح أحضانى لمعانقتهم فمد كل واحد منهم يده لمصافحتى من على بعد وهو جالس مكانه، قلت لهم (ثوانى سأحضر حقيبة يدى لأجلس معكم)، اعتذروا معللين أن الكرسى محجوز لأخت العروس.
شعرت كأنى طعنت اعتذرت وشكرتهم وانسحبت وأنا أترنح من صدمة الاستقبال، تذكرت كم من المرات حممتهم، رتبت فراشهم ومكاتبهم، وجهزت لهم الطعام، وغسلت لهم الملابس وكويتها، كم مرة مرضتها وأمى نائمة، كم مرة نسى الجميع أعياد ميلادهم إلا أنا كنت دائماً أجهز الهدية قبل موعد عيد الميلاد، كم مرة وقفت فى صفهم مدافعة عنهم أمام والدينا، وكم مرة وقفت حائلاً بينهم وبين عصا والدى، عدت إلى مكانى جلست وغصت فى الكرسى لم أدرك أن دموعى تتساقط بغزارة حتى أفسدت زينتى لم أفق إلا على طفلة تشبهنى فى الملامح تبتسم لى من بعيد دعوتها فجاءت بخطوات مترددة داعبتها وسألتها عن اسمها فاكتشفت أنها ابنة أختى ولا تعرف أنى خالتها، وسألتنى هل تقربين لنا يا سيدتى فأنت تشبهين أمى وخالتى (قلت لها لا لست قريبة أحد إنما دخلت القاعة بالخطأ) وقمت لأنصرف فقالت لى لكنك تشبهينهم تعالى لترينهم بنفسك كأنك خالتى، قلت لها(لا يا عزيزتى إنه مجرد تشابه مجرد تشابه فقط) وانصرفت.  

الأحد، 17 فبراير 2013

لوحة على الجدار القديم

فى منزل أبى رحمه الله حيث كل الجدران متآكلة من الرطوبة حتى أصبحت متهدمة فهى جدران شاخت، وبالرغم من ذلك فلقد ضمتنا أنا وأبى وأخى، وشهدت على زمان لم يكن هناك ما يعكر صفونا غير أخى المعاق الذى كان مستقبله يؤرق والديى، كانا يعرفان أن مستقبلى مضمون لأنى ولدت طبيعية أما هو فمسكين لأنه معاق، كنت أشعر نحوه بالشفقة، ولكنى لم أدرك أن قدر أحدنا أرتبط بالآخر، إنه فقط ليس معاقاً بل سيعوق طريق حياتى، وفى سن الشباب وأنا على وشك التخرج مات والدى ولحقت به أمى عقب تخرجى بفترة قصيرة، وأقفر البيت الذى كان يمتلىء بالحياة والناس والبهجة، وخلا من كل ذلك ماعداى أنا وأخى المعاق الذى لا يستطيع خدمة نفسة حتى فى أبسط الأشياء، فى الأيام الأولى لتحملى مسئوليته كدت أجن فلم أكن اعتقد أن تحمل مسئولية معاق بتلك الصعوبة، أو ربما لأن أمى كانت تهتم به دون أن تكلفنى بشىء تجاهه ولم تهيئنى لتحمل ذلك الموقف، كنت أصرخ فيه كالمجنونة فينظر إلى ببراءة كالأطفال، كانت مسئوليته ومسئولية المنزل والعمل وطموحاتى التى تعطلت لأجل غير مسمى ووحدتى كل ذلك يضغط على أعصابى ويكاد يطيح بعقلى.
  ولكن بعد فترة استسلمت لقدرى، وتقدم لى بعض الراغبين فى الزواج منى، لكن لم استطع ارغامهم على مشاركتى عبئى وكذلك لم استطع التخلى عنه، حتى هذا الحلم تأجل إلى أجل غير مسمى، كنت كمن تدور فى الساقية استيقظ فأجهز له إفطاره ثم أذهب به إلى مركز لتدريب المعاقين،وأذهب لعملى ثم أعود به للمنزل وأقوم بكل أعمال المنزل، وفى المساء يتناول عشاءه وينام كالطفل وهو يسند برأسه إلى كتفى، وأظل أدور أنا فى المنزل كالفراشة التى تحترق، لامن ونيس ولا من جليس أقرأ روايات أعيش مع أبطالها فى الخيال ، هذا ما كان يخفف عنى بعض همومى، وأنهمك فى القراءة وفى إحدى أيام الأجازة قررت أن أقوم بنظافة شاملة، وخاصة أن مركز التدريب قام برحلة وأشركت أخى فيها لأستريح من المسئولية بعض الشىء، وأتفرغ لأعمالى المنزلية بهدوء.
وعندما فرغت من الغرف توجهت للصالة، وعند ذلك الجدار القديم، كان هناك لوحة قديمة لشاب وسيم يركع عند قدمى فتاة جميلة ويقبل يديها وينظر نحوها بحب وشغف شديد، شدتنى تلك اللوحة وكأنى أراها للمرة الأولى، وظل بصرى مركزاً على اللوحة ربما سرح خيالى أو لست أدرى لكن الشاب الوسيم فى الصورة خرج من لوحته المسجون بها وركع عند قدمى، وقبل يدى وطلب منى أن أرقص معه، وظل يدور بى وأنا كالفراشة أدور وأحلق فى جو من السعادة، لم أدر كيف أصف طعم ذلك الاحساس، ظل يحدثنى عن جمالى، وعن أنه يرانى بينما لا ألتفت أنا إليه، وعندما دق جرس الباب معلناً وصول أخى كان قد مر الكثير من الوقت، حدد لى موعداً لنتقابل فى المساء وعاد إلى لوحته وفتحت أنا الباب، واختفى.
ظللت أعتقد أن ماحدث من نسج خيالى، وأنه بالطبع غير حقيقى، وجاء المساء ولكن ماحدث بالنهار أرقنى، حاولت النوم لم استطع، عدت للوحة ونظرت وتلمستها فإذا به يقفز من داخلها، ويقول لى هل تأخرت عليك أذهلنى حضوره، ظللت أهز رأسى وأقول لنفسى هذا خيال-هذا خيال، لكنه واجهنى ونظر فى عينىَ وقال لى (أحبك)، سهر معى حتى الصباح، شاهدنا القمر والنجوم وبزوغ الفجر، كيف لم أتذوق جمال كل تلك الأشياء، وجاء الصباح وقمت بما أقوم به كل يوم، لكنى كنت أكثر سعادة، وأكثر اندهاشاً لما يجرى، وجاءنى فى الليلة التالية والتى تليها والتى تليها وأصبح يأتينى كل ليلة، وأصبح للحياة طعماً آخر، أتزين كل مساء وأنتظره بفرحة، يكاد قلبى يطير من السعادة، كان يسمينى(ملكة الليل المتوجة)، شاهدنا أفلام السهرة سوياً، ودفنت رأسى فى صدره لأخفى دمعاتى بين جوانحه، كانت ضماته كارتشاف النحل لرحيق الزهور، ما أجمل الحب وأروعه، كيف لم أعش ذلك الاحساس من قبل تحدثنا وثرثرنا ولعبنا وتناقشنا، كان يساعدنى فى تجهيز العشاء ويوقد لى الشموع، وتظل نظرات عيوننا متعانقة حتى يأتى الصباح، فيراقصنى على أنغام من عزف العصافير، معه تبدل حالى واستعدت شبابى الذى ضاع فى غفلة منى، أشعل فى الحياة، جعل للوقت والأيام قيمة، ونشر الألوان فى كل مكان ليغطى قتامة الدنيا التى عشتها لسنوات.
وقررت ذات يوم أن أجدد المنزل ليعبر عن فرحتى بحبى الجديد ويناسب حباً وليداً، وليسعد حبيبى وتم الإتفاق مع العمال، تركت المنزل لهم على أن أعود لهم فى نهاية اليوم لأجد الجدران القديمة المتهالكة وقد جدد شبابها، وعادت حية مثلى من جديد تنبض بالفرحة والحياة لكنى فؤجئت باختفاء لوحة حبيبى، وعندما دارت عيونى فى أرجاء المنزل متسائلة رد أحد العمال(معلش ياهانم اللوحة القديمة التى كانت على الحيطة وأنا بأشيلها انكسرت، معلش عموماً هى كانت مش مناسبة للحيطة الجديدة) كدت أقطع أوصاله، وهالنى منظر اللوحة وهى محطمة تماماً ولم يكد وجه حبيبى يظهر، هرعت إلى بائع اللوحات ليجد لى طريقة لإصلاحها فأخبرنى أن تصليحها غير مجدى ، ظللت أتوسل إليه، وهو ينظر إلى بدهشة وتعجب متسائلاً أى قيمة للوحة قديمة مهشمة وطفق يعرض على لوحات يظن أنها أفضل من لوحتى، فتركته وعدت إلى البيت أحاول جمع أجزاء حبيبى حتى يعود إلى، لكن الليال مرت ولم يعد حبيبى، ظللت أتندم ليتنى تركت الجدار القديم واللوحة فوقه لكنت أعيش الآن فى سعادة مع حبيبى. 

الجمعة، 8 فبراير 2013

نعم أحبها

نعم أحبها تنساب كالدم بين شرايينى، كالماء تترقرق فى جدول صغير يحوطه الخضرة من كل جانب، أن أردت أن اختم حياتى لايسعنى ألا أن تكون أنا وهى ، أن ذهبت ذاكرتى أدراج الرياح فأرجو أن تظل هى الجزء الذى لا يضيع، عندما أكون أنا وهى أجدنى فى قمة الراحة والمتعة، تحرك الحزن والشجن وتمتصه كأسفنجة تحتفظ بكل ما تجده وتحفظه داخلها، تضحكنى، وتشعرنى بالنشوة، تجعلنى أجوب بخيالى هنا وهناك، أكون ألف أنسان، أسافر وأرحل وأنا مكانى، أرى ما بداخلى وهو عالم كبير فيه فضاء فسيح، هى ملعبى منذ وعيت على هذا العالم، تعطينى المساحة لأرسم عالمى الخاص، فما يتحقق فى الواقع يتحقق وما لا يتحقق ينكسر فى واقعى على صخرة اليأس، فتلتقط فتاته وتنسج منه ركن فى عالم أحلامى لتسعدنى، تفرش الأض عشباً والسماء زرقة، تصنع لى بحراً ونهراً، اشتم رائحة الغابات والوديان وعيون الماء، تفرغ ما فى جعبتى من أسرار وأساطير وحكايا فى الماضى والحاضر، أهرب فى أحضانها من مستقبل أجهله، تخفف من كآبتى واكتئابى، بل تزيل توترى، تجعلنى بطلة، قديسة، ووضيعة، وعربيدة،وملاك ، قاسية وحنون، متعاطفة وشريرة، كئيبة ومضحكة، تخيلوا تجرعنى كؤوس الخمر التى لم أشربها فى حياتى، وتدخلنى الحانات، أتعرض للضرب وللمهانة وأقتص لنفسى ولم يلمسنى بشر ولم ألمس بشر تجعلنى أنجب الأولاد وأرعاهم وأعانى من قسوتهم، أعرف معها الثراء الفاحش، والفقر المدقع، أشع معها بقسوة برودة الشتاء فى عز يونيو، وحر الشمس ونسيم البحر وهوائه العليل فى عز يناير، تجعلنى طفلة أملك كل الألعاب، وأصنع بيتاً ثم أهدمه كيفما شئت، هى لا تتعب من مكنونات نفسى، أو شهوة روحى ما على سوى أن أتخيل ووأرسم من خلالها ألف حياة، استطيع أكون وزيرة أو نجمة مجتمع أو أكون متسولة، ارتشف أكواب القهوة أو الكاكاو الساخن لكن لا أريد التنبه فمعها ما أحلى أن أغرق فى خيالاتى، تجعلنى أكره كل ما سواها حين تثقل على الدنيا أهرب من أعمالى المنزلية المملة ومن عملى الكئيب وأكون هناك معها فى ذلك الركن الهادى حين انسج خيوط الشمس وانثر فضة القمر، واعتلى مقعدا فوق النجوم ، منذ كنت فى الثامنة وهى رفيقتى، أحكى لها كل سر حملته، اهرب بها من أحزانى لأضحك ولأفرح، تشغلنى عن الرفيقات والأحباء والأصدقاء ، كم أتمنى أن أفرغ يوما من كل ما يشغلنى عنها وأقضى معها معظم أوقاتى فلقد اكتشفت أنى أحب الكتابة منذ الصغر وأرغب أن أظل أكتب حتى لو لم يقرأ لى أنسان يكفينى متعة عشقى للكتابة .

الخميس، 24 يناير 2013

زفاف ملائكى



"كانت تجلس فى الخيمة المجاورة لخيمتى فى الميدان، وكانت تحدثنى عن زفافها المنتظر منذ دقائق" قلت العبارة وأنا مذهولة أنظر ليديها المخضبتان بالدماء بدلاً من الحناء، أى يوم هذا الذى تتمنى فيه العروس أن تدخل دنيا جديدة بالزواج، فتخرج منها الحياة باعتداءً غاشم، أنظر لوجهها لم تفارق وجهها الابتسامة ، لكنها لن تكون فى انتظار خطيبها الذى سافر ليعمل حتى يدفع أقساط الشقة والأثاث بعد خطبة دامت لسنوات وقصة حب بدأت منذ الجامعة، كانا يعرفان أنه من المستحيل أن يتخرجان فيجدان عملاً على الفور، وأن تكاليف الزواج صعبة، وظروف أسرتيهما لا تقدم ولو بارقة ضئيلة من أمل للمساعدة فى إتمام زواج سيعترض عليه الجميع فأبيها وأمها يتمنيان لها "عريس مريش" يحمل عن كاهلهما كل أعباء التجهيز ويحضر لها شبكة وشقة وأثاث فاخر فهما موظفان بالكاد استطاعا أن يساعدان أبنائهم على التخرج من الجامعة، ولا يستطيعان أكثر من ذلك، أما هو فهو الأخ الأكبر لثلاث بنات يريد أبوه أن يساهم معه فى أن يستر أخواته فى بيوت عدلهن، ومع ذلك فقد قررا أن يتحملا كل شىء من أجل أن يكملان حياتهما سوياً فى بيت صغير ويحققان المستحيل معاً.
تخرجا وعملا فى كل شىء وأخيراً استطاعا أن يكملان حق شبكة بسيطة ويقنعان أسرتيهما أن يعلنان خطبتهما على أن يبحث عن فرصة عمل خارج البلاد ليحضر باقى مستلزمات الزواج من شقة وأثاث ومرت أربع سنوات منذ أن وجدا عقد عمل دفعا فيه كل ما استطاعا أن يبيعانه بل وأقترضا من كل الأقارب والمعارف، وها هو يستعد للعودة ليتم الزفاف بعد أشهر، وقد تم تجهيز الشقة وحجز القاعة للفرح ، و هى جهزت الثوب الأبيض وأحضرت الرفايع من جهاز الشقة، وطبعت الدعوات ووزعت وانتظرت عودة العريس الذى يطرب قلبها لمجرد سماع أنهما سيتزوجان أخيراً، وقبل عودته قامت الثورة ، فاشتركت هى واستعجل هو العودة حتى يشارك ، كانا يريدان لمصر الحرية ويتخلصان من عبء الحكم الظالم الذى قهر أحلامهم وأحلام الكثير من الشباب، ولكنها سبقته حتى يعود ويلتقيان فى الميدان وسيؤجلان موعد الفرح إلى اليوم الذى ستفرح فيه مصر بأكملها بانقشاع غمة الظلم، وبتغيير قاعة الفرح لميدان التحرير وتغيير المدعوين إلى كل أهالى مصر المحروسة الشرفاء الثوار، لكنها الآن تموت، جاء شابين يخترقان الجموع لنقل المصابين للمستشفى الميدانى وفجأة جثم أحدهما أمامها وفرت دموعه غزيرة وهو يتمتم بالآتى(ما عرفتش أوصلك وأقولك انى جيت الميدان عشان المحمول شبكته مقطوعة، وعاهدتينى ما تزفيش إلا وأنا جنبك وأديكى بتتزف وحواليكى الملايكة وأنا مش رايحة معاك اتغرب تعشانك ورجعت عشان مصر وعشانك لكن أديكى سايبانى لحد أمتى هتفضلى كل ما أحاول اقرب منك خطوة تبعدنى عنك الأقدار خطوات) وكأن الموت أراد أن يمنحه لحظة وداع أخيرة ففتحت عيونها وهمست له(هاستناك زى ما باعمل دايماً) ولفظت أنفاسها الأخيرة، وبعد أيام حاولت البحث عن الشاب داخل الميدان لأعطيه غرضاً يخص الشهيدة فلم أجد له أثر، فإذا بى أجد صورة لشهيد شاب مجهول قالوا انه استبسلت فى الدفاع عن ميدان التحرير والثوار، أراد تعديل موعد الزفاف وشكله ولكن القدر هيأ لهما زفاف ملائكى فى السماء.

السبت، 12 يناير 2013

عذاب الخيانة الطاهرة



دق جرس الهاتف، وجدت رقماً بلا اسم ترددت قليلاً قبل أن ترد، وإذا بها تغالبها وحدتها ورغبتها في أن تسمع صوتاً بشرياً يدفعها للرد، أنه هو صديق قديم مسحت رقمه من قائمة هاتفها المحمول وكانت قد قررت أن لا تعاود الأتصال به أو استقبال مكالماته، رغم أنه صديق مجرد صديق تحترمه ويحترمها ويكن كل منهما للآخر كل تقدير، وهى تعرفه منذ كانت أنسة وكان هو متزوجاً ولديه 3 أبناء وقد عرفها بزوجته واولاده، ما جمعهما هو الحوار السياسى على النت في صفحات الفيس بوك، وحبهما الشديد للوطن وجرحهما العميق مما يحدث فيه، وتعددت الحوارات حتى تطرقت للثقافة والطموح ثم روى لها كل شىء عنه وعن عائلته، وهى أيضاً وأصبحا يفضفضان لبعضهما البعض وتستشيره بأمور تخص عالم الرجال فلم تكن تعرف عنهم شيئاً ويستشيرها بما يستطيع به تجديد مشاعر زوجته فقد كان يحب زوجته حباً يفوق الوصف أحبها منذ كانا زملاء دراسة تحملا مع بعضهما الكثير إلا أن مشاعرها هدأت فاصبحت لا تبالى أما هو فمازالت مشاعره متأججة تغالبه الشياطين من كل ناحية فقد كان رجلا مستقيما في زمن عزت فيه الاستقامة واحتجبت فيه الفضيلة لتصبح عاراً يعاير به بين أصدقائه لم يعرف إلا زوجته وكان لأخلاقه أعظم الأثر في نفوس الأخريات اللاتى استكثرنه على زوجته وأردن المشاركة ليحظين برجل يقوم بكل شىء فهو يطهو في غياب زوجته ويقطن في بلدة أسرتها ليرضيها ويكتب الشقة بأسمها شكراً لها على تحملها معاناة السنوات الأولى ويرعى مصالح أسرته وأسرة زوجته ويتابع الأبناء في المدرسة والنادى والدروس ويعرف جميع أصدقائهم وصديقاتهم ويتحاور معهم، زوج ديمقراطى لا يغار من اهتمامات زوجته السياسية ومشاركتها في النقابات والأعمال الاجتماعية ويقدم لها الهدايا والورود بعد مرور 17 عاما على الزواج ولا ينسى ذكرى زواجهما ويحتفل به بين الأهل والأصدقاء، بل و يشترى لها الملابس، ويراها جميلة الجميلات على الرغم من أن الصديقة تذكر مدى الدهشة التى ارتسمت على وجهها وجمدت الكلمات في حلقها عندما رأت صورة لملاكه الطاهر كما يطلق على زوجته ووقتها بررت لكل النساء المحيطات به أن يقمن بإغرائه، ومع ذلك لم تنجح أى منهن في الوصول لقلبه، ظل وفياً لها لكنه مؤخراً بدأ يعانى من أهمالها الشديد وخاصة مع تعاظم المغريات وقد روى لصديقته كل ذلك فقد اعتبرها أخته التى استطاع البوح لها بكل شىء أو العقل الاليكترونى الذى لن يضره تدوين مشاعره على صفحاته ويستطيع حذفه في أى وقت، هى الأخرى تعودت أن تحكى له عن غباء رؤسائها في العمل وما تعانيه من تعليقات الزميلات والقريبات على موضوع الزواج ورأيها في الزواج وأحلامها في المستقبل، كان يستطيع استيعابها، كان شخص مختلف تعجبت لأن كل منهم رغم أعجابه الشديد بشخصية الأخر إلا أن ذلك لم يتحول ولو لبرهة إلى حب بل ظل كل منهما دون أى معاناة يشعر بأن الأخر شخص ينتمى إليه لكنه كالمحارم لا يجوز التفكير فيه، وقد كانا مقتنعين أنهما يستطيعان الحفاظ على تلك العلاقة النقية الطاهرة في أطارها المحترم ظلت العلاقة الاليكترونية لسنتين ونصف لم يشعرا بكل تلك المدة ، رغم أنهما لم يريا بعضيهما ولم يتقابلا وكانا يتحدثان بشكل يومى، وفى وسط تلك العلاقة حدث أن اكتئبت وكذلك اكتئب الصديق فتاها عن بعضهما حيث كانت الدوامة أكبر من أن يعودا لدعم بعضهما فقد مر الوطن بمصائب من العيار الثقيل حطمت أحلامهم أو أمالهم في أن يأتى غد مشرق أو مختلف فكرا في السفر كل في طريق مختلف هو لجمع المال لتأمين احتياجات أسرته وهى للدراسة وفى الحقيقة كانا يهربان حتى الحوار انقطع بينهما لشدة نبرة اليأس والأحباط لم يعد حتى السخرية من مصائبهما تجدى فحالهما الشخصى كان يعكس ما تعانيه بلدهما، ولكنهما غارقين في عشق الوطن لذا تعلقا بترابه هو أغرق نفسه في تجربة مع إحدى زميلاته في العمل وهى قبلت أن تتزوج برجل لا يربطها به أى نقطة مشتركة عاد الحوار نصحته ونصحها ولكن الالم كان يحتاج لمسكنا حتى ولو كان مخدرا فكل ما يحدث سيؤذى أن عاجلا أو آجلا وعادا ليغرقا في دوامة المخدر الذى اختاره كل منهما لنفسه وعندما استفاقا عادا ليتصل بها كانت قد تزوجت واكتشفت بشاعة ما تورطت به وهو كذلك قد أفاق وعذاب الخيانة يمزقه أراد أن يتحدث معها فهى كانت قس الاعتراف الذى يطهر نفسه باعترافه أمامه ويطلب من ربه التكفير عن سيئاته كانت تجلده بسياط كلماتها عندما يخطىء أو يقترب من الخطأ لكن الصراع الآن ليس داخله فقط ، بل الصراع داخلها هى الأخرى فقد أصبحت تخاف من نفسها أن تقع في شرك خيانة شريكها الذى ارتضته خافت من نفسها وربها نصحته وفرت بصراعها هاربة بعد أن أغلقت الهاتف على ألا تعود للحديث معه مرة أخرى.

الثلاثاء، 8 يناير 2013

عقم



خرجت من عيادة الطبيب والأرض تميد بى، نعم كانت واحدة من أمنياتى أن لا أنجب طفل لها العالم البائس، كما كنت مضربة عن الزواج حتى لا يتعطل مستقبلى لكننى الآن، لا أفكر فى شىء سوى ذلك الطفل الذى أرغب فى أن ينمو داخل أحشائى، ظل زوجى يواسينى وأنا لا أسمع كلماته فقد كان هناك ذلك الشريط الطويل من الأمنيات التى تحققت والأمانى التى تأخرت والفرص التى ضاعت، كنت أشعر بنفسى وكأن لا غد لى ، لا أعرف ماذا تغير بداخلى، نعم فى البداية تزوجت لأخرس المجتمع الذى يطاردنى بكلمة عانس، ولكننى منذ تزوجت وأنا لا يمر على يوم إلا وأفكر متى يأتى اليوم الذى أبشر فيه زوجى وأمى بخبر حملى، حققت الكثير من الأمنيات، وماتت الكثير من الأمنيات، لم أدرك يوما ً أننى سأدفع لقاء طموحى أمومتى ، ولا أدرى متى ولد ذلك الشغف داخلى ، شغفى بوجود طفل، المصيبة الكبرى أننى لم أجنى من مستقبلى غير شهادات علمية أصبح مكانها الجدران، وأهدرت من عمرى وشبابى وجهدى وأعصابى وأموال أبى رحمه الله الكثير ولم أجنى أى شىء ، حرمت نفسى من الكثير والكثير من الأشياء والمتع، فقدت الكثير من الأصدقاء، وفرص الراحة، اكتشفت اليوم اننى واهمة فأنا لا شىء سوى واحدة من أولئك الخيل الذين يجرون فى السبق ولا يفعلون شىء سوى الجرى فى السبق.
وصلنا المنزل وأنا لا أنطق بكلمة وزوجى المسكين يحاول مواساتى وأنا أدرك أنه لم يدرك بعد أن ذلك الخبر معناه أنه هو الآخر عليه أن يختار بينى وبين حصوله على لقب أب، بكلمة واحدة قالها الطبيب هدم لى حياتى وأحلامى وأخر فرصة لى فى أن أجد ذاتى وأعوض ما فاتنى وماخسرته، اليوم خسرت كل شىء بكل بساطة، لم يعد هناك غد، اليوم فقط ادركت اننى كنت أرغب بشدة فى أن أكون أم وأننى أحب طفلى حباً شديداً فقد حاولت أن أغير العالم حتى يكون أفضل حتى ينعم هو بكل الميزات التى حرمت منها، اليوم أدركت أن كل ما كنت أدفعه وأنا أظن أنه لمستقبلى فى الواقع كنت أدفعه مقابل مستقبل أفضل لطفلى، اليوم أدركت أننى استحق أن أكون أم ، لكننى لن أكون ، دخلت غرفتى واطفئت الأنوار وتدثرت بغطائى ، تحجرت الدموع فى عيونى، وظل قلبى ينزف حتى شعرت بالبرد يسرى فى كل أوصالى ، كنت أعرف يا طفلى العزيز الذى لن أراه أبداً أن عالمى تغير منذ اللحظة التى واجهنى بها الطبيب بأنك لن تأتى، أعرف أننى لابد أن أتمسك بإيمانى ولا أيأس من رحمة الله، لكننى على كل حال أطمع فى أن أدخل الجنة برحمة ربى حتى أسعد بحملك بين يدى واشتم رائحتك وأرى ابتسامتك، وأناملك الرقيقة التى ستمتد حتماً لتمسح دموع أمك المسكينة فإن لم أسعد برؤيتك فى الدنيا فلابد أن الله الرحيم سيعوضنى برؤيتك فى الجنة فمن الأن لن أنفق ساعة إلا فى الطاعة حتى أدخل الجنة وألقاك يا طفلى الحبيب.

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

أميرة الليل


أنها أميرة الليل والصباح مع أنى أراها بالنهار لكن الفرق أن أميرة النهار من المستحيل أن تكون ملكاً لى أما أميرة الليل فهى ملكاً خالصاً لى فهى من نسج خيالى لها عينان نجلاوان ووجه طيب هادىء وابتسامة ساحرة ملامحها وقسمات وجهها رقيقة وصغيرة كأنها طفلة لكن لها من قوة الشخصية مايجبرك على احترامها ويدخل فى قلبك هيبة لها، عشقتها عينياي منذ أن رأيت تأثيرها على كل من حولها، لكن الفرق بينى وبينها كالفرق بين السحاب والتراب، فبالرغم من وسامتى وذكائى إلا أنها مؤهلات لا تجعلنى فى مصاف من يستطيعون نيل قلبها فهى.....، آآآه إن قلبى يرفرف كالطير الذبيح عندما أذكر أسمها، كم أحبها، فهى تؤرق نومى وتزورنى فى أحلامى ، كم كنت أرجو أن أكون فارس أحلامها، أه لوكنت، لكنت قدمت لها نجوم السماء وفرشتها تحت أصابع قدميها الجميلة لتخطو خطواتها التى تمتلىء بالدلال، أننى أعمل أنا وهى فى نفس الشركة لكننى سائق فى الشركة التى تعمل هى موظفة ذات وضع هام، يحمر وجهى عندما أراها وكأنى فتاة عذراء، أنهم يقولون عنى أنى ممن لاتستطيع أنثى مقاومته، وأننى من أبناء الجان فلا تستعصى على أنثى، لكننى مع أميرتى هذه أكون فى وضع مختلف أننى أخاف أن تسمع دقات قلبى المتسارعة وخفقاته المضطربة، أخاف أن أنظر إلى عينيها فيفتضح أمرى، أعكس صورتها بالمرآة وأختلس إليها النظر، وأحتفظ بصورتها فى ذاكرتى حتى يأتى المساء فأذكرها وأظل أفكر فيها بعيداً عن كل البشر، ويأتى الصباح فأراها وتشرق شمس اليوم منذ لحظة رؤيتها لا أدرى لماذا تتسمر يداى فوق عجلة القيادة ولا أتحرك حتى أرقبها وهى تنزل من السيارة وتتحرك أمامى لأراقب خطواتها الرشيقة، أننى أحسد كل من يجالسها أو يتحدث معها، حتى أننى تشاجرت ذات مرة مع أحد الأشخاص لأنه لم ينتبه إليها وهى تعبر الطريق فتناثرت مياه الشتاء على طرف ثوبها، لقد شعرت لحظتها أنها نظرت إلى بامتنان وكأنها تشكرنى بعينيها، أقسم أنها كانت نظرة ذات مغزى ومن يومها وأنا أشعر وكأنها هى الأخرى ترقبنى فى المرآة وتبتسم لى خلسة من وراء زملائها ودون أن يشعروا، كدت أطير من الفرح وتلقفنى الليل بسحره وهوى بى إلى عالم الأحلام الممكنة والمستحيلة ، ووجدت أميرتى معى تقتنى بسحرها ودلالها كل ليلة، إلى أن جاء يوم وغابت فيه، وتوالت الأيام لم أستطع صبراً فسألت عنها فإذا بها فى إجازة وبعد أيام أشرقت شمس أيامى كانت مشرقة أكثر من عادتها نظرت إلى وابتسمت ابتسامة عريضة وطلبت منى الحضور إلى مكتبها فى تمام الساعة الحادية عشر ظهراً ، خفق قلبى وظل عقلى يدور وتدور داخله الأفكار هل ممكن أن تكون شعرت بى ،على الفور ذهبت لمنزلى لاستعد وأبدل ثيابى واشتريت باقة من الورد الذى يشبهها ، وقررت إنى سأصارحها إن لم تبدأ هى، عشت لحظات وكأن الكون يزفنى ويزغرد من حولى وطرقت باب المكتب فإذا حشد كبير وإذا بأميرتى تبتسم من بعيد وتأتى وهى تحمل طبقاً به حلوى وكوب عصير لتقدمه لى شكرتها وسألتها عن المناسبة، قالت بمناسبة عقد قرآنى وأرتنى الدبلة الماسية، مادت الأرض بى ووقعت باقة الزهر من يدى فجثت هى لتأخذها وقالت لى من أخبرك لقد كانت مفاجأة للجميع فقلت لها لقد شعرت أن اليوم لديك مناسبة خاصة فقررت أن أكون مستعداً نظرت هى لباقة الزهر ثم لى كانت نظرتها عميقة، وكأنها لمحت دمعتين توارتا فى زاوية عيونى وكادت أن تسقطا لولا أن كرامتى الجريحة حالت دون سقوطهما، أخذت الحلوى والعصير ومضيت لأحتفل وحدى بمأتم أميرة الصباح فلم يعد لى غير أميرة الليل لن يسلبها منى أحد.