‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 31 يناير 2021

الوجه الآخر لقصتنا معاً

دق هاتفها فتململت فى فراشها تحاول الوصول بيديها للهاتف المتواجد على المنضدة المجاورة للفراش، نظرت إلى الشاشة المضيئة فاذا باسمه على الشاشة لأول مرة منذ شهور، اعتصر الحزن قلبها وطافت الذكريات برأسها ما الذى ذكره بى الآن، ولأى غرض يتصل آلا يكفينى ما عانيته حتى تغلبت على الفراق؟ غالبت شوقها فوجعها وكبريائها كانا أكبر من أن ترد، وضعت هاتفها وقامت لتشغل الراديو كعادتها كل صباح فجاءها صوت ماجدة الرومى (أخرج من معطفه الجريدة) تلك اغنيتهما معا، فقد تقابلا فى أحد تلك الكافيهات، وبدأت القصة هناك يوم أن وقعت القهوة ولطخت ردائها الأبيض وانسكبت على الهاتف واللاب توب فقام مسرعا من على منضدته يحاول مساعدتها وهى فى قمة الحرج لا تدرى كيف تتصرف وما زاد من احراجها وجود رجل فى المكان فقد اختارت ذلك المقهى او الكافيه لأنه يكون خاوياً من البشر فى ذلك التوقيت، أنها حتى لم تلاحظ وجوده فى المكان قبل ان يتحرك لمساعدتها فقد كانت منهمكة فى البحث عبر الانترنت عن فرصة جديدة للسفر أو الهجرة أو العمل فى الخارج، فقد انتحرت الأحلام فى بلادها على مقصلة الظلم والفساد المنتشرين بها، فما كان منها إلا البحث عن مهرب لتنجو بأحلامها، يوم أن قابلته كانت الدنيا قد كسرت قلبها، فأصبحت كصخرة صماء تتحرك داخل نهر الحياة، لكن عينيه شئ آخر اختطفاها من كل شئ اربكها ذلك العمق والدفء فيهما استفاقت على ماهى فيه، عرض أن يوصلها شكرته وتحركت للخارج واوقفت تاكسى وعادت لمنزلها وعيناه لم تبرحاها، وفى اليوم التالى ذهبت الى الكافيه مرة أخرى لكنها كانت تبحث عنه هذه المرة فقد كانت تريد ولسبب ما لا تعرفه أن ترى دفء عينيه، وبعد أن جلست مر وقت ولم يأتى ظلت تؤنب نفسها على ذلك التفكير الطفولى وتلك المراهقة التى لا تناسبها، وقالت لم عدت عن عهدى مالى وهذا الشخص؟ وقررت الانصراف وهى تشعر بضيق، دفعت حسابها وعند الباب وجدته نظرا لبعضيهما وحديث توهمته بين عيونهما هى تساله لما تأخرت وهو متوسلا أنتظرى جئت من أجلك؟ لكنها استفاقت وغادرت بعد ان انتشت بنظرة عينيه وذلك العطر وتحية خاطفة منه، تكرر الموقف حتى جاء يوم خرجت أثناء دخوله وتذكرت بعض الأشياء التى يجب ان تشتريها فذهبت للسوبر ماركت المقابل فوجدته خارجا تعجبت لم يدخل غير من خمس دقائق فقط فيما جاء وفيما ذهب؟ أثار ذلك فضولها، وقررت أن تتابع من بعيد فوجدته يبحث من داخل سيارته بعينيه عن شىء ما، لم تفهم لكنها ارضت نفسها بالإجابة ربما جاء له استدعاء عاجل من عمله، وفى اليوم التالى كررت الفعل فوجدته يغادر بعدها بخمس دقايق، وذات يوم قررت أن تنتظر مجيئه حتى يأتى مهما تأخر وبعد قليل فصل هاتفها وطلبت شاحن من أحد العاملين فى الكافيه فجميعهم يعرفونها من كثرة ترددها عليهم لكنه لم يجد لديه من نوع هاتفها، فى نفس اللحظة قام هو وخرج واستاءت ثم عاد ومعه الشاحن وهى تلملم اغراضها لتذهب فقد اعتقدت انه ذهب ولم يكن ينتظرها كما توقعت وما فاجأها هو أنها وجدت ان الشاحن عليه ملصق يوضح انه جديد لكنه اخبرها ان لديه نفس نوع الهاتف ثم اخبرها أن هناك تطبيقا يوفر استهلاك الطاقة فسلمته الهاتف بحركة لاإرادية كى ينزله لها جلس وحاول فتح الهاتف قال لها دعيه قليلا فى الشاحن وطلب من العامل اثنين من نوع القهوة التى تحبه وقبل أن تشكره فاجأها بطلب الشيكولاته التى تحبها مصاحبةً للقهوة هل هى مصادفة ام انه كان يراقبنى؟ وبدون مقدمات بدأ يقدم نفسه هو مهندس اليكترونيات لديه شركة ناشئة عائد حديثا من فرنسا تاركا ابنته مع طليقته الفرنسيه، ومعلومات كثيرة حتى تعجبت لما يخبرها ذلك الغريب عن كل تفاصيل حياته، لم تعرف وقتها أنه يحبها ويتابعها منذ شهرين كاملين ويلغى مواعيده ليظفر بتلك الدقائق ليراها قبل أن تغادر ويطلب القهوة ويغادر دون تناولها ليلحق بها عسى أن يعرف عنها أى شىء، وأن موقع الكافيه بعيدا عن مسكنه وعمله ويوم أن رآها أول مرة كان مارا بالصدفة بعد مقابلة أحد عملائه، فكان يقود سيارته مسافة طويلة ليراها، لم يخطر ببالها يوماً أن يفكر بها رجل على هذا النحو، وقد تركت ملقاة سابقا على قارعة الطريق من شخص اهدته حياتها وأخذت عليه ميثاقاً غليظا بأن يكون الحامى والسند وغادرت منزل أهلها معه عروس لتعود اليهم حطام، سألها عن نفسها فلم تبح الا بالقليل كانت مشدوهة وقد أخذت الوساوس تلعب براسها هل هذا الرجل مجنون؟ أم يعتقد أننى فريسة سهلة؟، أوهمته أن لديها موعدا وتأخرت واعتذرت وهى ترى عينيه وقد تحولا الى بحر هادر الأمواج ونظرة غاضبة متوسلة آلا تهربى؟ لكنها آثرت السلامة، وقررت ألا تعود وبعد مرور أسبوع عادت لتجد عامل الكافيه يخبرها أن المهندس فلان سأل عنها ومعه شىء يخصها؟ لم تنتبه إلى أنها نسيت مفاتيحها من شدة ارتباكها يوم أن جلسا سويا ذلك ما اعتقدته، لكن الحقيقة هو من أخفى المفاتيح ليكون هناك سببا قويا ليتحدث معها مرة أخرى، وعندما همت بالمغادرة استوقفها وسألها ألم تضيعى شيئا وأظهر لها المفاتيح قبل ان ترد وعلا وجهها نظرة غاضبة، فقال لها فهمت لن أزعجك مرة أخرى لكنى ارجوكى ألا تغيبى مرة أخرى فقد افتقدت طلتك التى تبهج ذلك المكان الموحش وسأجلس كما كنت دوما، كلماته اذابت جليد قلبها وفتتت صخوره فشكرته وهمت بالانصراف، فسألها هل اطمع أن تسمحى لى بانزال ذلك التطبيق لتوفير طاقة هاتفك لن يستغرق الأمر سوى ثوان معدودة وفى ثوان كان قد انزل التطبيق وأضاف نفسه على ما تملكه من تطبيقات السوشيال ميديا، وبدأت القصة رجلا يحبها بجنون وهى خائفة بشدة لكنه استطاع أن يقلص ذلك الخوف، تعامل مع طفولتها ولم يؤنبها بل استمتع بتلك التصرفات العفوية الطفولية وتلك الرغبات الساذجة، وعاشت معه المراهقة التى لم يتسنى لها أن تعيشها من قبل، اختطفها لعالم من السحر والغموض وكأنه ملك الجان وهى من تملك مصباحه السحرى، فإن تمنت نفذ لها ما تتمنى لا يكف عن اضحاكها فى كل مكالماته طوال الليل ضحكت كما لم تضحك من قبل فى حياتها، كان يذهب بها إلى كل مكان يرسمه خيالها، جرى معها تحت المطر يضحكان سويا ويأكلان الآيس كريم، ترك سيارته ليمشيا سويا ويأكلان الذرة، أكل معها الكشرى من عربة فى الطريق وتعب يومها لكنه لم يغضب منها ولم يشعرها بالذنب، كان فرحا بما تريه اياه وترى السعادة فى عينيه رغم ان الأخر أخبرها أن لديها رغبات حمقاء وتحب الذهاب لأماكن غريبة، لكنه كان فتاها المنتظر وفارسها المجهول، عندما وقعت على الارض وهما يلعبان سويا فى الحديقة أنب نفسه أنه لم يكن قريبا منها حتى تتلقفها يداه قبل ان تتلقفها الارض، كان يخاف عليها بجنون، كان الأب والأخ والصديق والحبيب، فأصبحت ترى وجهها وقد اشعلت فيه السعادة مواطن الفتنة والأنوثة، نعم أنه الحب، ما جعلها تهيم به هو مستوى التعامل الراقى وذلك التقدير والاحترام الذى يظهر فى كل أفعاله معها، كان يعاملها وكأنها وردة يخاف لمس اوراقها حتى لا تسقط من رقتها، وفى الوقت الذى وهبها فيه الحياة اخبرها أنها وهبت له الحياة، حتى عندما عرض عليها الزواج وفزعت وطلبت مزيدا من الوقت لتتعافى من قصتها القديمة لم يغضب منها بل آثر أن يظل منتظراً على قائمة الانتظار حتى ترضى، ومرت الأيام الرائعة والسحر والشغف يحاوطها، ثم اختفى وكأنه حلم فجن جنونها بحثت عنه فى كل مكان لم تجده، هاتفه لا يرد، ذهبت لعمله الذى لم تذهب له من قبل وتفاجأت بأنه غادر لفرنسا ليرى زوجته وابنته، من تقولين زوجته؟ ألم يخبرها أنه مطلق، حطمتها تلك المعلومة وأوقعتها فى بئر سحيق ألم تكتفى من كذب الرجال؟ هى الملامة فلما صدقت أن حظها العثر سيتحسن، نحرها بكذبه فأقامت مأتماً فى قلبها عليه واعلنت الحداد لباقى العمر لأن رجلها مات أما الكاذب فهو من ظل على قيد الحياة، وعاد بعد شهر بحث عنها لم يجدها ووصل اليها استجداها اخبرها انه لو طلق زوجته الفرنسية لفقد الصلة والحق القانونى لابنته وانه مضطر حتى يضمن ان تتربى فتاته فى جو متزن بدلا عن مصاحبة أمها للرجال والقانون لا يمنع النساء المطلقات هناك من ذلك، وهو لا يستطيع ضم ابنته لحضانته وأن ما بينهما وزوجته مات، واقسم لها انه لم يعد يأبه لأحد من النساء سواها لكنها كانت قد ماتت من الداخل نظرت اليه بعينين خاليتين من الحياة وتركته ومضت وهاهو يعود ليستجديها مرة أخرى لكنها كانت قد انهت اجراءات الهجرة وموعد سفرها بالغد اكملت حزم حقائبها، وفى اليوم التالى تركت هاتفها الذى ما انفك أن يضىء من الأمس باسمه وأغلقت باب الشقة وغادرت إلى المجهول.

الجمعة، 30 يناير 2015

عنوان ثابت



تعدى عمرى الستة عقود ولم أحظى بعنوان ثابت لمدة عقد واحد، وعلى ما يبدو أنه كان القدر الذى كتب على، تعودت طوال تلك العقود على وداع البيوت والشوارع والجيران والزملاء والمدارس والمعارف والمدن والدول، ظننت أن أسرتى السبب فى أن لا عنوان ثابت لى، لكنى اكتشفت أنه قدرى، لكن على ما يبدو أنى من كنت المسبب لكثرة انتقالهم، فقد قرر والدى عند زواجه بوالدتى استئجار شقة فى أحد الضواحى لانخفاض الايجارات فى الضواحى عن المدينة وخاصة انه خرج من الجيش بعد قضاء سبعة أعوام فى حرب الاستنزاف مفلساً، وعندما حملت أمى بى قررا الانتقال إلى شقة فى المدينة بعد استقرار أمورهما المادية، وبعد عدة سنوات نزل اسم أبى فى الإعارة فاصطحبنا معه، وهناك انتقلنا بين مدن اليمن وقراها حتى عدنا، واشترى أبى لنا منزلا كبيراً ولم نستقر به إلا بضعة سنوات، ثم قرر أهلى شراء منزل جديد فى وسط البلدة لآن المنزل الأخر كان فى أطراف البلدة وبعيد عن أماكن مدارسنا، ودخلت الجامعة فتركت منزل أهلى لأقيم فى المدينة الجامعية وخلال أربعة سنوات أقمت فى ثلاث مدن جامعية مختلفة، وبعد عودتى لمدينتى كنت قد قررت إكمال دراستى العليا ، فعدت مرة أخرى للجامعة فى المدينة البعيدة عن بلدتى وتركت منزل أهلى بعد إنقضاء الإجازة، عدت لنفس الجامعة ولكنى لم أعد لنفس المدينة الجامعية، وعدت مرة أخرى لمدينتى ولكن توظفت بإحدى المدارس فى قرية بعيدة وقمت بدراسة الماجستير على بلدة أخرى فكنت أقضى يومى فى الانتقال بين بلدتى وبلدة العمل وبلدة الدراسة وبلدة الجامعة، ولم أطيل الاستقرار فى بلدة العمل فتغيرت رغم مقاومتى وعدم رغبتى فى التغيير، ثم طال التغيير بلدة الإقامة فانتقلت مع أهلى لمدينة ساحلية وهناك عملت وسكنت وظل مكان الجامعة هو الثابت، ثم اشترى أهلى منزلا جديداً فانتقلنا له فقلت لوالدتى ممازحة بسخرية (أتركى أغراضنا فى صناديقها فلربما ننتقل بعد إخراجها وفرشها بعام)، وكأن القدر يسجل ورائى فلم تمضى سنتان حتى تزوجت فلملمت أغراضى فى صناديق وانتقلت بها لشقة زوجى فى نفس البلدة، ولأن زوجى يعمل بمدينة أخرى انتقلت للسكن معه وانتقل مقر عملى معى، ورزقنا الله بالبنت والولد، كما رزقنا بالسفر للخارج فقررنا السفر لتكوين مستقبل الأولاد، وانتقلنا بين البلاد العربية والأجنبية، وفى كل مرة كنا نعود لمصر كنا ننتقل لبيت جديد، وكنت أضحك فى نفسى وأتذكر عبارتى لوالدتى رحمها الله، وكبرنا أنا وزوجى وقررنا الاستقرار وتزوج ابناءنا ولم تمض سنوات قليلة حتى رحل زوجى، هاجمتنى الأمراض بعدها وانتقلت بين بيوت ابنائى ، وشعرت أنى أثقلت كاهلهم بعبئى ، وحسدت زوجى على رحيله المبكر، ثم قررت الانتقال بكرامتى  إلى دار مسنين ن رغم إدعائهم الرفض وادعائهم الغضب من موقفى ، واليوم أشعر إنى على مقربة من لقاء الرحمن ، طلبت من إحدى مشرفات الدار وضع أغراضى فى صندوق ، فسألتنى هل ستنتقلين لمكان آخر، أجبتها بنعم سأنتقل أخيرا لعنوانى الذى سيثبت ولن يتغير إلى يوم القيامة عليك التخلص من صندوقى وأغراضى فلعل من يقتنيها تنتقل إليه عدوى العنوان غير الثابت.

الخميس، 27 فبراير 2014

منيوما



تزوجت منذ ثلاثة أعوام واعتبر جميع أفراد عائلتى أن زواجى معجزة بعد أن تم إدراج اسمى بشكل كامل فى قوائم العوانس، وخاصة أن العريس كان بمقاييس الجميع لقطة وفرصة تحلم بها أى فتاة ورغم أن عملى فى وظيفة بمرتب بسيط كان يفى باحتياجاتى فقد قمت بالحصول على إجازة من عملى لملازمة زوجى الذى عاد بعد سنوات الغربة ليقيم مشروعاً فى العاصمة، وكانت فترة الخطبة وجيزة حيث لم نكن صغاراً ولا داعى للتأجيل أو الأنتظار انشغلنا فيها بتجهيز شقة الزوجية وانهالت الوعود من خطيبى بأن كل المشاعر والهدايا المؤجلة ستتضاعف لى بعد الزواج وسيقوم بإسعادى بكل ما أؤتى من قوة، اكتشفت بعد الزواج بحجم المأساة التى أوقعت نفسى فيها عندما وافقت على ذلك الزواج من ذلك الشخص دون أن ادرسة بروية وتحت ضغط العنوسة وكلام الناس، فقد تبين أنه شخص كاذب بخيل لا مشاع لديه كذب على فى كل شىء تقريبا أدعى الفقر ليبرربخله، اكتشفت أنه مطلق أكثر من مرة وكل من تزوجته طلبت الطلاق بعد فترة وجيزة لسوء طباعه، وأسوأ من هذا كله أمه التى حولته لطفله أنانى لا يتحمل أى مسئولية وحبست ذلك الطفل داخل جسد له هيئة رجل،كانت تغار عليه من أى أمراة تسيطر عليه بشكل مرضى تلغى تفكيره وتعزله عن الآخرين داخل سياج بنته لتحسبه ويكون رهينة لها تزوجه وتطلقه كلما شعرت بتهديد من أى واحدة تدخل حياته بعد أن تعرضها لتعذيب نفسى شديد إضافة إلى طباعه، وبالطبع بعد اكتشافى لكل تلك المميزات ما كان منى إلا أن فضلت الطلاق وأثنتنى عنه عائلتى خوفا من كلام الناس وان اتحول من خانة العوانس لخانة المطلقات وهو توصيف أبشع من كل مساوىء زوجى وتحمل الحياة معه، اكتشفت أنه لا ينجب بعد عام عذبنى هو وامه باتهامى بعدم الإنجاب اثبتت التحاليل قدرتى وعجزه واكتشافى لزواجه من اكثر من سيدة أكد لى عدم قدرته وعرفت وقتها لما هو متمسك بى رغم حقده على بدون سبب إلا إنى أحظى بشخصية وذكاء وحياة اجتماعية أفضل مما حظى هو به،وبعد عام آخر من رفضه العلاج بدأت أعانى من التهاب فى الأذن الوسطى وعصب الفك والتهاب فى المعدة والقولون العصبى وتكالبت عليا الأمراض وبت أقضى كل وقتى فى عيادات الأطباء ولم يكن زوجى البخيل منعدم الشعور يبالى حتى اكتشفت أن لدى منيوما أو ورم ليفى وكم كانت سعادة زوجى باكتشافى لذلك اذا بات يحلم بان يتخلص منى بالموت وأن ينفى عن نفسه تهمة عدم الإنجاب ويلصقها بى كما فعل مع زوجاته السابقات، فى كل مرة كنت أمرض فيها كان أهلى يعتنون بى ويقومون بمساعدتى حتى أتماثل للشفاء فاذا عدت له عاودنى المرض، حتى تقرر إجراء جراحة لى يومها خرجت من منزل زوجى بصحبة والداى وودعنا عند الباب وعاد ليكمل نومه كان المطر ينهمر، قمت بعمل كل الاجراءات كانت نظرات الحزن بادية فى عينى والداى عندما ودعانى وأنا ادخل الجراحة كان هناك سلام داخلى يشملنى كنت اتمنى ان لا أخرج وأرى وجهه القبيح مرة أخرى جاء بعد خمس ساعات ليتفاجأ بخروجى حية، ولينشر عنى هو ووالدته أنى استأصلت رحمى طلبت الطلاق ولكن أهلى لم يدعمونى قالوا لى ضل راجل ولا ضل حيطة قاتل الله قائل هذه العبارة فالجدار يحمى ويستر أما هذا الكائن فهو لا يستطيع حماية نفسه حتى، مات من قلبى وسقط من نظرى منذ اكتشفت عيوبه، لكن بعد خروجى حية واستأصال ورمى الليفى اعتبرت ذاك الشخص ورما مزمنا علي التكيف مع وجوده مادمت لا أراه ولا أشعر بوجوده واصبحت زوجة ميت.

الثلاثاء، 21 مايو 2013

عفوا أنا صاحبة القميص



رغم أنه سريع إلا أنه دائماً ما يصل إلى محطة بلدتى متباطأ يتأخر ربع ساعة عن موعده يقف بعض الناس فى أنتظاره وهم يتململون إلا أنهم لا يجدون بديلاً عنه حيث ارتفعت مؤخراً أجرة السيارات وأختفى السولار والبنزين من محطات الوقود، وانتشرت الاعتصامات والاضرابات حتى بين السائقين، وزادت حوادث قطع الطرق، فأصبح القطار  أكثر أماناً وأنتظاماً من أى وسيلة مواصلات أخرى، وأرخص سعراً ولا يقف فى طوابير السولار ليملأ خزانه، جل ما يتمناه ركابه أن لايقطع سكان بعض المحافظات الطريق أمامه فيضطر لتغيير مساره، وقفت على المحطة منتظرة إياه بين بعض المنتظرين أسلى نفسى بالنظر إلى بعض الطلبة الواقفين يضحكون ويتبادلون السخرية من أوضاع البلد السياسية ورغم أنهم كانوا يضحكون إلا أن ضحكاتهم مصطنعة تملؤها المرارة يعرفون أنهم على وشك التخج من الجامعة بعد أن كبد كل منهم أهله أموالاً أكثر مما يستطيع أن يجنيه خلال عشر سنوات من أى عمل سيضطرون لشغله لو وجد أساساً حيث أن البلاد امتلئت بالعاطلين عن العمل من ذوى الشهادات ومن ذوى الحرف والمهن المختلفة، وهناك بائعات الجبن والفطير يتبادلن الحديث حول ما لاقينيه على مدار اليوم ويناقشون مبيعاتهم، أما الرجل الذى يرتدى جلابية وترتدى زوجته عباءة سوداء تقبع بجوار جوال من الأرز وما نطلق عليه (سبت) ذات هيكل أسطوانى من الخيرزان لوضع العديد والعديد من الأشياء تحمله المرأة فوق رأسها وهو أرقى من (القفة) وعلى ما يبدو أنه يحمل هدايا الريف لزياة أحد الأقارب أو المهمين للزوجين ويقيم فى المدينة.
 وجاء القطار أخيراً وهرع الجميع إلى عربات الدرجة الثالثة فكان طبيعى لجميع الواقفين إلا قلة بسيطة، ذهبت لعربات الثانية الذى لاتفرق عن عربات الدرجة الثالثة إلا فى السعر وألوان المقاعد واكتظاظ الركاب، جاء أثنان من الفلاحين وجلسا أمامى وظلا يتحدثان عن الأرض والسماد والصرف والرى ومشاجرة نسيب  فلان مع ابن علان، ثم نزلا، ثم جلس فى مقابلى فتاة واضح أنها فى طريقها إلى المدينة الجامعية بالمدينة، ظلت تتحدث مع أحد الأشخاص لمدة نصف ساعة أو أكثر على الهاتف المحمول ثم جاءت محطتها فنزلت، ثم جاء شخص على ما يبدو أنه موظف يعمل فى مكان أخر فيضطر لترك بلدته وزوجته وأبنائه، ويحمل حقائب بها ملابس وحلل مغطاة بإحكام على ما يبدو ما طهته له زوجته ليأكله طوال مدة غيابه عن المنزل ليذكر أم عياله وطعم أكلها ثم جاء فتاة وشاب على ما يبدو أنهما تزوجا حديثاً يرفرف عليهما طائر الحب والرومانسية مازالا فى حالة العشق والهيام التى تسبق تسونامى الغرق فى مشاكل الزواج وظلا يهمسان ويضحكان ويتبادلان النظرات المعبرة، ثم جلست بجوارى سيدة فى أواخر الخمسينيات روت لى ظلم أخوتها لها واستيلائهم على أرثها ووحدتها وحاجتها للمال والرعاية والعلاج ورغبتها فى حنان أخوتها عوضاً عن قسوتهم عليها.
 كل ما كان خلال ذلك الطريق الطويل لم ينسنى عبارتين أرسل بهما إلى هما(وحشتينى-أفتقدك)كلمتان خطفا لباب قلبى بعد طول جفاء فقررت عمل مفاجأة له وأن يعود للمنزل فيجدنى، وتعجبت كيف استطعنا الابتعاد عن بعضنا البعض طوال كل تلك المدة بسبب مشكلة تافهة، ونحن العاشقين اللذان لم يفارقا بعضهما منذ الجامعة، وصل القطار هرولت لمنزل الزوجية وضعت المفتاح فى الباب لم يفتح الباب، ضربت الجرس لعله بالداخل ، فتحت لى أمرأة تتدى قميص النوم الذى اشتريته فى عيد زواجنا الماضى ولم ألبسه بسبب شجار تركت على أثره المنزل وسافرت لأهلى غاضبة، سألتها من أنت؟ قالت لى بتهكم صاحبة البيت وسألتنى باستنكار ومن أنت؟ قلت لها والأرض تميد بى ولا أشعر بتوازنى من شدة الدوران عفواً أنا صاحبة هذا القميص الذى ترتدينه، وتحاملت على نفسى لأرحل ودوعى تحول بينى وبين رؤيتى لسلالم درج بيتاً أعتقد يوما أنه لى ولن يكون إلا لى وحاولت اللحاق بأخر قطار للعودة لبلدتى.

الجمعة، 12 أبريل 2013

فى ذكرى زواجها

فى مثل هذا اليوم ظنت أنها عبرت من مرحلة فى حياتها إلى مرحلة أخرى، ظنت أنها معه ستلملم كل ما تساقط من أحلامها وتجبر كل ما تكسر من عظامها على صخور الإحباط واليأس، لكنها بعد عام مر شعرت بخيبة الأمل ، مازالت تحتفظ بلقب عانس بينها وبين نفسها، لكن الحالة الاجتماعية فى بطاقتها تغيرت من عانس إلى زوجة، تنظر حولها فى جدران منزلها البارد الذى حاولت إشاعة الدفء والحب فيه، كانت تريد أن تخرج كل رومانسيتها الدفينة معه وتذوب معه فى حب يقويها ويدعمها لتستطيع أن تجابه مصاعب الحياة، لكنه نسى فى عام واحد نسى عيد مولدها ونسى عيد زواجهما ونسى وجودها ، استيقظت وداخلها فراغ سحيق، نظرت لأوراق النتيجة ظلت تدعو أن يتذكر حتى لكنه لم يتذكر، كل ما تذكره أنه سيتخلص منها بعد أيام حيث ستعود لمكانها ، كانت الفرحة تتقافز فى عينيه عندما أبلغته بالخبر قالت له بصوت تذبحة المرارة واليأس والفشل(وجودى هنا زى عدمه سأعود إلى بلدتى وأهلى لم يرجوها لتبقى)، لم يحاول استبقائها بل دعمها بقوة فى قرارها شعرت بأن روحه أصبحت خفيفة كأنه عصفور تحرر من قفصه، أما هى فشعرت أن فرحته لفراقها سكين تلم ذبحها به، لم تبخل عليه بشىء ، فقد كان أول رجل فى حياتها بعد طول انتظار، ظلت عام بالكامل تتفنن فى إرضائها فهى مازالت تأخذ مصروفها من أهلها حتى لا يرفض وجودها فهى تعرف استماتته فى حب المال، وتقبع فى المنزل طوال يومها تنظف له وتطهو وتنتظره ليتناولا طعام الغداء فينام هو أو يشاهد التلفاز وتظل هى وحيدة، بعد عام اكتشفت أنها تخلصت اسمياً من لقب عانس ولكنها مازالت عانس ، ولكنها ليست ذات العانس الطموحة المتفتحتة التى تأمل فى غد أفضل، دفعها المجتمع لتكون أمرأة لرجل يقتلها معنوياً كل دقيقة ، لا يشعر بها ولا يريدها ولا تفهم هى لما ارتبط بها، والكارثة هى أن المجتمع وشبح الظلم الذى سيطاردها هو من يدفعها للاستمرار ، انتظرته ليكون داعماً، ليكون مكافأة لصبر السنوات، ليروى ظمأ المشاعر العجاف، ليكون الربيع الذى سيحل بعد طول فصل الشتاء، لكنه سقط وتساقطت أوراقها التى أذبلها اليأس والأسى على ذاتها، هاهى قد أرضت ربها وأهلها ومجتمعهان ومازالت مضطرة للصبر أملا فى حدث سعيد خاصة بعد أن عرفت أنه لا مجال لإنجاب طفل ، وكان الحياة ضنت عليها بأى سعادة من أى نوع، فى هذا اليوم قررت أن يكون مجرد ورقة واسم ليس إلا وستمضى قدماً فى حياتها وحيدة ، كانت عانس ولا يعرف الآخرون سر عنوستها ولكنها كانت تعرف أنها تنتظر المناسب، الآن الجميع يعرفون أنها تزوجت ولا تعرف هى لماذا ستكمل بقية حياتها عانساً ووحيدة.

الاثنين، 8 أبريل 2013

يوم عيد ميلادى

عيد ميلادى دايماً بيجى فى الربييع ، بتتفتح الزهور وبتخضر الجناين وبيبدأ الشتاء يلملم سقعته وتهب نسايم الصيف، أنا برج الحمل، شخصية مستقلة وقوية وعنيدة، وطموحة وقيادية ومبدعة، وذكريات 36 سنة بتمر قصاد عينى، بافتكر طفولتى الجرى واللعب والشيكولاته وفساتينى الحلوة وشرايط شعرى والحضانة مخاوفى من الوشوش المرسومة على كل خشب البيت كانوا بيسموه الموديل العربى، خروجى مع عماتى وخالاتى والفسح مع أعمامى ومرواح السينما اللى ما كنتش بافهم لسه منها حاجة،وكل علقة وأختها من ماما عشان تقمع تمردى على أوامرها ما هو دا بداية كراهيتى للسلطة والتسلط ومشاوير الطلبات ما أنا كنت الكبيرة ، وقصص الأطفال والسر مع بابا لليمن والجرى على الجبال وعيون المياه اللى فى الوادى والخضرة اللى محاوطانا والسحب اللى كان بيبقى تحت رجلينا من ارتفاع الجبل اللى احنا ساكنين فوقه فى بلد اسمها العزلة تابعة للواء إب فى اليمن الشمالى، والمشوار للمدرسة عبر الوادى فى وسط الخضرة والشجر، واخويا اللى كان مسئوليتى وكنت مخنوقة من مسئوليته، ومخاوفى اللى كبرت وتحولت للخوف من الكائنات الحية ابتداء من الفراشات لحد الثعابين واللى كان وجودها طبيعى فى البيئة الجبلية، ورجوعنا لمصر وانتقالنا من بيت لبيت، ودخولى للمراهقة وتشريف اختى الصغيرة وبعدين اخويا الأخير ، وملامح الأنوثة اللى بدأت تنحت نفسها على شكلى وتمردى عليها لأنى نفسى اكبر بس بعقلى مش بجسمى ولا بسنى، وبعدين من مدرسة اعدادى لثانوى للجامعة، وحلم رسمته وأنا 11 سنة انى اكون باحثة اجتماعية وبعدين دخولى كلية بنات والتحديات لدخول قسم اجتماع ضد رغبة الجميع وتخرجى، ورغبة فى الدراسات العليا لاستكمال الحلم وابدأ مشوار كله تحدى وبعدين وظيفة مش مناسبة وضد كل أحلامى وأحولها من عقبة لخبرة، ويخلص الماجستير بعد 9 سنوات من العذاب واتنقل من بلد المولد والمنشأ لمدينتى الجميلة على البحر، وأفرح بهواء البحر، وأنطلق بأحلامى تانى وتقابلنى العقبات وأرجع للحلم الأصلى وأسجل الدكتوراه ويقع بابا فريسة للمرض ويظهر حلم جديد المركز القومى للبحوث الاجتماعيو يطلب باحثين وأصفى مع الف متسابق على مدار سنة وكالمعتاد ينجح ناس تانية خالص، ويغلى بركان جوايا ينفجر جوه معجزة الهية اسمها ثورة على كل الأوضاع الغلط، وأرمى نفسى فى حضن التحرير، عشان أجدد روحى وطاقتى وأخرج منه مولود جديد وتتوالى الاحباطات واحس انى فى دوامة واقرر اهرب من البلد فتتقفل الأبواب وأقرر الهجرة ويظهر جوزى فأقرر اتجوز يمكن اقدر بالشراكة اتغلب على الاحباط وانجح ونغرق أحنا الاتنين فى دوامة الاحباطات والفشل السياسى اللى حطم البلد وأثر علينا كلنا.
دلوقتى أنا مش أنا من 30 سنة ، زى ما جلدى فقد نعومته اللى اتولدت بيها، وبقى أخشن بكتير عشان يتحمل تغيرات الجو وصعوبة الصدمات، كتير من برائتنا بنفقدها بخبراتنا السيئة ، واحنا صغيرين حلامنا جريئة وبريئة وحماسية وما تعرفش المستحيل، لما بنكبر بنعرف الخوف والنفاق والعقبات لو ما بتكسرش احلامنا بتكسر عظامنا وكل مرة بنجبر كسرنا بطاقة مستمدة من إيماننا بربنا ومن أحبائنا واصدقائنا اللى بيدعمونا وبيكونوا واقفين جنبنا وقت الضربات القاسية لما تصيبنا، زمان كنت شايفة الدنيا حلوة زى الشيكولاته واحلامى فوق السحاب وواسعة زى الوادى وبصفاء المية فى العيون، دلوقتى بعد جريان السنين كل اللى طلعته بيه أهلى وأصحابى المخلصين وخبرات اتمنى انى اتخلص منها سواء حلوة أو وحشة.
وأدى سنة مرت بكل ما فيها ، ما انجزتش فيها اى شىء على المستوى العلمى، والعملى كنت فى اجازة ، والاجتماعى اتجوزت وواجهتنى مشاكل كتير ، والمستوى الصحى صحيح مش مريضة الحمد لله بس  فقدت كتير من حيويتى وطاقتى دا على المستوى الشخصى، على المستوى العام الثورة فشلت والبلد من سىء لأسوأ، دى حصيلة سنة من حياة بنى أدم سطرين اختصرت فيهم مجمل أحداث 365 يوم من حياتى، نقصت سنة من عمرى واحتفلت بيها مع أسرتى بتورتة قلوب من غير شمع وشوية هدايا ويارب كل سنينكم تبقى حلوة

السبت، 23 مارس 2013

حبيسة السجن الزجاجى

استدعيت لواحد من تلك المؤتمرات التى نحضرها هذه الأيام ليتكرر الحديث عن مآسى الدولة والديمقراطية وأشياء عن السياسة والاقتصاد معظمها معاد ومكرر، اصبحت لا آبه بتلك الترهات التى تقال ، لكنه عملى فأنا صحفى يكتب عن السياسية والاقتصاد، ولابد لى من تلبية الدعوات لتلك المؤتمرات والاستماع لما قد يدور فيها، وهذا المؤتمر يكثر فيه المتحدثون الأجانب، لذا فقد وضع البعض من الجهلاء أمثالى الهيدفون الخاص بالترجمة، وبدأت امل من سماع الكلمات، لكن الصوت الاتى عبر الهيد فون لفت نظرى ، كان فيه دفء هدوء ينزعك من ملل الكلمات ليريح اعصابك وكأنك تستمع لصوت البحر وشخص ما يهمس فى أذنك ويدندن لحناً جميلا، فى البداية لم أتنبه ابدا من أين يأتى الصوت، لكن اليوم هناك شىء دفعنى للبحث عن المكان الذى يأتى منه الصوت ، فإذا بى أرى فتاة فى ال30 من عمرها جميلة وكانها اتت من العصور الوسطى وحبستها الساحرة الشريرة داخل بيت من زجاج وقضت بانها لن تخرج من ذلك البيت وستظل تحادث الناس عبر اسلاك تخرج من تحت جدران محبسها، بدت وكانها هى المتحدثة وليست المترجمة، كانت تستخدم إشارات يدها وتعبيرات وجهها، يتحرك ذيل الفرس فى رأسها الذى يجمع شعرها للوراء يمنة ويسرة وهى تتفاعل مع الكلمات قبل ان تصبها فى آذان مستمعيها، سحبنى المشهد من القاعة وأخرج من رأس مغزى الكلمات ومغزى وجود بين تلك الجموع البشرية، لم أدرك إلا وأنا اثبت ناظرى على السجن الزجاجى الذى حبست فيه الأميرة الجميلة، كانت عيونها مرسومة بدقة وشفتيها دقيقتان، وأصابعها رقيقة وكان مايسترو تشير لأحبالها الصوتية فتشدو بصوتها ، صوتها له رنين جميل ينم عن ثقتها بنفسها، لم اتنبه إلا عندما توقفت عن الكلام وقتها افقت وعرفت ان المؤتمر انتهى، جرى زملائى نحو المتحدثين لعمل حوارات وجريت لألحق بأميرتى وسلوتى ، لم ألحق بها، وقفت أمام الفندق لأنتظرها وعقدت العزم على أنها اتعرف عليها واطلب منها التعاون معى لتقديم ترجمة وافيه للحوار الدائر فى المؤتمر ، لم يكن ذلك هو المتعارف عليه أو مقبول من حال الأصل، ولكنه حجة ما أستطيع التعرف من خلالها عليها، وبد 10 دقايق شاهدت أمرأة محجبة تخرج من الباب الخلفى للموظفين، لم أعرها التفاتاً فى البداية إلا أننى عندما دققت النظر وجدتها هى ، ولكنها غيرت ملابسها وارتدت ملابس فضفاضة أكثر وحجاب على رأسها وازالت مساحيق وجهها، كنت سألحق بها لأحدثها ، ولكننى تراجعت وقررت مراقبتها لأعرف ما ماهيتها، تتبعتها حتى محطة المترو، انتظرت حتى نزلت ركبت ما يدعونه بالتوك توك وتتبعتها، وجدتها تسكن فى حارة شعبية شديدة الضيق، وقفت أمام عربة لبائع فول انحنت على يده وقبلته واعطته مبلغاً من المال ثم مشيت انحنت على طفل يجلس فى الشارع وقد اتسخت ملابسه نادى عليها بكلمة أمى حملته وقبلته ، احسست بتآكل فى مخى ، فأنا الهرة التى سيقتلها الفضول، جلست على القهوة وعرفت من صبى القهوجى أنها خريجة اداب انجليزى مات زوجها المدرس بعد ان انجبت الصبى ، اصبحت مسئولة عن ابنها واخوتها واسرة زوجها ، تقدم لها الكثيرين من راغبى الزواج قررت رفضهم جميعا ، الكل فى الحارة  يعتقد انها تقوم بإعطاء دروس لا أحد يدرك أن الساحرة القت علي جمالها تعويذه وجبستها فى ذلك السجن الزجاجى وآخر ما سيناله أى رجل منها صوتها عبر الهيدفون. 

الأربعاء، 20 مارس 2013

موعد مع رسول الموت

جاءت لى فى الموعد المتفق عليه مسبقاً، تملىء وجهها بالمساحيق، تحاول أن تخفى رعبها الدفين فى الأعماق، ثقافتها ضرتها أكثر مما نفعتها، أعطتنى ملفاً أتت به من معمل للتحاليل، وظرفاً أخرى به أشعة، يدل زيغ بصرها أنها تعرف جزءً مما سأقول استطيع أن اتنبىء بذلك، فى الثوانى التى تلت استلامى للملف للآطلاع عليه أستطيع أن أجزم أننى أسمع دقات قلبها الذى يكاد يخرج من بين أضلاعها من شدة الخوف، تحاول ان تستنتج هى وصديقى أى معلومة من خلال قراءة قسمات وجهى، لايدركان أن وجهى مدرب على عدم إعطاء أى دلالات للحالات التى أتابعها، أعرف أنها متشككة حيث أنى وزوجها أصدقاء، فهى ستُكذب مقدماً كل ما تسمعه منى إن كان فى غير صالحها، ومع ذلك أدرك فى أعماقى أنها حاولت البحث فى الشبكة المعلوماتية عن أى شىء يريحها ويوصلها لمعلومة.
رفعت بصرى من على تقرير المعمل، أدركت أن حلقها جاف من شدة الخوف وأنها تريد التوسل كى أطمئنها، قلت لها هى وزوجها وأنا أحاول تخفيف وقع الكلمات قدر الإمكان مع الاحتفاظ بدورى كطبيب فى إيصال المعلومة لمريض،(اطمئنوا التحاليل أفضل من توقعاتنا والمشكلة وارد حلها بإذن الله)لكن كلماتى لم تشف صدرها، كانت تعتبرنى رسول الموت الذى سينبأها بخبر موتها والآن هى فى حيرة من أمرها تهز رأسها وتحرك نظراتها بينى وبين زوجها وكأنما تسألها هل فهمت شيئاً أم أن صديقك يتلاعب بنا؟ عاجلتها قلت لها لا اريد اصابتك بالصداع ابتسمت بمرارة فهى تعانى صداعا مزمنا منذ عام ، اردت ان اخبرها أن المصطلحات الطبية صعبة الشرح والفهم أيضاً، عاجلتنى أنا هأموت؟ قلت لها لالالالالا، الطب اتقدم وبإذن الله هتبقى كويسة، أنا جالى مشاكل أكبر من كده بكتير واتعالجت الحمد لله)تراكمت الدموع فى عينيها كالسيل الذى على وشك الانهمار، حاولت أن أوقف هذا التدفق قلت لهما وانا أنظر لها بتعاطف(كل حاجة هتبقى تمام)نظرت إلى مستنكرة تعاطفى وكأنما هى عجوزاً فجأة عاملتها كالأطفال كلماتى لم تواسيها، أعرف أنها كانت تأمل بنتيجة مختلفة أو كلمات تمحى المشكلة وتنسفها نسفاً، انهمرت العبرات وكتمت أنينها، زاد تعاطفى معها نظرت لزوجها صديقى وجدت فى عينيه نظرت تندمج فيها الفرحة بأنه ليس صاحب المشكلة بالتعاطف مع دمعات زوجته، بالحيرة فيما سيفعل إذا لم تعالج تلك المشكلة، فقد بدت له فكرة موتها رغم كل شىء مرعبة وهو غير مستعد لذلك، عندما همت بالخروج من غرفة الكشف بدت كأنها تترنح من هول الصدمة تحسست بيدها كى تلمس يد زوجها لتستند عليه فاذا بيده تفلت من يدها ليقع مغشياً عليه، هرولنا له فإذا به قد فارق الحياة (التشخيص هبوط حاد فى الدورة الدموية)، هل كان على موعد مع رسول الموت فى عيادتى، هل قرر أن يسابقها إلى هناك ليطمئنها أن لا مخافة من الموت، أم أراد استكمال المشوار الذى بدآه سوياً.

الاثنين، 18 فبراير 2013

مجرد تشابه

اليوم هو حفل زواج أخى الأصغر الذى ولد على يدى وساعدت أمى فى تربيته، وصلتنى الدعوة بالبريد وكأنى غريبة، منذ ماتت والدتى وحتى قبل موتها بفترة وأخوتى توقفوا عن السؤال عنى، انفصلت عن منزلنا منذ طلاقى من زوجى الذى تزوجته إرضاءً لوالدى رحمه الله وحتى لا أعوق زواج أختى التى تلينى بسبب عدم زواجى وحاولت الاستمرار فى زواجى رغم التناقضات التى كانت أكبر من أن تعالج فى زواجى ولكنى فشلت، ومنذ طلقت والعائلة تتجنبنى ولا ألوم أى فرد فى عائلتى على ذلك، وآثرت أن أظل بعيدة عن منزلنا، الذى كان يعيش فيه كل فرد حياة منفصلة فلم أشعر أبداً أن لى أسرة مترابطة متحابة، حتى أننا كنا نعرف أخبار بعضنا بالصدفة بل كان أصدقاؤنا يعرفون عنا أكثر مما نعرفه عن بعضنا، لا أدرى خطأ من هذا الوضع.
لكنى كلما دخلت واحد من منزل أياً من صديقاتى تحسرت على الوضع فى منزلنا، حيث دائماً ما كنت أشعر أن هناك ترابطاً أسرياً وخيطاً قوياً متيناً يربط كل صديقاتى بعائلاتهم وبالرغم من كل محاولاتى لتصحيح الوضع داخل منزلى إلا أنها باءت جميعها بالفشل بل أعتقد أخوتى أننى أحاول التسبب فى مشاكل لهم والسيطرة عليهم وقابلوا كل محاولاتى بالرفض التام حتى أن أمى نفسها كانت تهاجم محاولاتى لأسباب لم أفهمها، ولأنى عشت فى منزلنا وحيدة غريبة لا أجد من أحدثه عن نفسى، ولا أجد من يستمع إلى فلم أتأثر كثيراً عندما طلقت عشت وحيدة وتجنبتنى عائلتى، بل يمكن القول أننى آثرت أن أعيش وحيدة داخل منزل لى أستأجرته، وعشت حياة هادئة كنت قد تعودت عليها وأنا فى منزل عائلتى فقد كنت آكل وحدى وأنام وحدى وأخرج للتسوق وحدى وحتى فى لحظات المرض كنت أعتمد على نفسى فى تمريض نفسى أو بعض الصديقات المقربات.
لم تجمعنى بأخوتى سوى مناسبات قليلة كانت رسمية، تبادلنا التحيات والقبلات والأحضان الباردة وجلس كل منا فى مكان بعيد عن الآخرين حتى أننا كنا نتجنب النظر لبعضنا البعض، كنت أجلس وحدى كثيراً أبكى وأنا فى منزلنا وحتى عندما طلقت وعشت فى منزل منفصل، كنت أبكى ليس عليهم بل على حياة أسرية لم أعشها قط، وكل ما كنت أتمسك بزوجى لأجله هو تعويض ما فاتنى أن أعيشه داخل منزلنا لكنه لم يساعدنى، فقد كان يشبه عائلتى.
المهم ارتديت ملابس السهرة وخرجت من منزلى لحضور حفل زواج أخى الأصغر، ذهبت وحدى بلا فيق، فلم أجد من يرافقنى وخشيت دعوة إحدى الصديقات حتى لا يتضايق أخوتى، كنت أرغب أن استعيدهم الليلة بقوة وأن أصنع رباطاً عائلياً يجمعنا سوياً بقية العمر، دخلت القاعة واستقبلنى والد العروس ووالدتها لم أكن قابلتهم من قبل، ومن الواضح أن ذكرى لم يأت على لسان أخى حتى أننى ذكرت اسمى رباعياً فلم يفطنوا لتشابه اسمينا أنا والعريس وأجلسونى على مائدة وسط مجموعة من الناس الذين لا يعرفوننى ولا أعرفهم ولا أعرفهم، قبعت فى مكانى بهدوء وانتظرت قدوم أحد أخوتى فجاء أخى الأوسط وزوجته وأختى الوسطى والصغرى وأزواجهم، اتجهت اليهم آملة أن يفسحوا لى مكاناً بينهم حتى أتخلص من الغربة الفظيعة التى استشعرها بجوار من كنت أجلس معهم وخاصة أن مائدتهم كان بها كرسى شاغر حول مائدتهم، ذهبت أفتح أحضانى لمعانقتهم فمد كل واحد منهم يده لمصافحتى من على بعد وهو جالس مكانه، قلت لهم (ثوانى سأحضر حقيبة يدى لأجلس معكم)، اعتذروا معللين أن الكرسى محجوز لأخت العروس.
شعرت كأنى طعنت اعتذرت وشكرتهم وانسحبت وأنا أترنح من صدمة الاستقبال، تذكرت كم من المرات حممتهم، رتبت فراشهم ومكاتبهم، وجهزت لهم الطعام، وغسلت لهم الملابس وكويتها، كم مرة مرضتها وأمى نائمة، كم مرة نسى الجميع أعياد ميلادهم إلا أنا كنت دائماً أجهز الهدية قبل موعد عيد الميلاد، كم مرة وقفت فى صفهم مدافعة عنهم أمام والدينا، وكم مرة وقفت حائلاً بينهم وبين عصا والدى، عدت إلى مكانى جلست وغصت فى الكرسى لم أدرك أن دموعى تتساقط بغزارة حتى أفسدت زينتى لم أفق إلا على طفلة تشبهنى فى الملامح تبتسم لى من بعيد دعوتها فجاءت بخطوات مترددة داعبتها وسألتها عن اسمها فاكتشفت أنها ابنة أختى ولا تعرف أنى خالتها، وسألتنى هل تقربين لنا يا سيدتى فأنت تشبهين أمى وخالتى (قلت لها لا لست قريبة أحد إنما دخلت القاعة بالخطأ) وقمت لأنصرف فقالت لى لكنك تشبهينهم تعالى لترينهم بنفسك كأنك خالتى، قلت لها(لا يا عزيزتى إنه مجرد تشابه مجرد تشابه فقط) وانصرفت.  

الأحد، 17 فبراير 2013

لوحة على الجدار القديم

فى منزل أبى رحمه الله حيث كل الجدران متآكلة من الرطوبة حتى أصبحت متهدمة فهى جدران شاخت، وبالرغم من ذلك فلقد ضمتنا أنا وأبى وأخى، وشهدت على زمان لم يكن هناك ما يعكر صفونا غير أخى المعاق الذى كان مستقبله يؤرق والديى، كانا يعرفان أن مستقبلى مضمون لأنى ولدت طبيعية أما هو فمسكين لأنه معاق، كنت أشعر نحوه بالشفقة، ولكنى لم أدرك أن قدر أحدنا أرتبط بالآخر، إنه فقط ليس معاقاً بل سيعوق طريق حياتى، وفى سن الشباب وأنا على وشك التخرج مات والدى ولحقت به أمى عقب تخرجى بفترة قصيرة، وأقفر البيت الذى كان يمتلىء بالحياة والناس والبهجة، وخلا من كل ذلك ماعداى أنا وأخى المعاق الذى لا يستطيع خدمة نفسة حتى فى أبسط الأشياء، فى الأيام الأولى لتحملى مسئوليته كدت أجن فلم أكن اعتقد أن تحمل مسئولية معاق بتلك الصعوبة، أو ربما لأن أمى كانت تهتم به دون أن تكلفنى بشىء تجاهه ولم تهيئنى لتحمل ذلك الموقف، كنت أصرخ فيه كالمجنونة فينظر إلى ببراءة كالأطفال، كانت مسئوليته ومسئولية المنزل والعمل وطموحاتى التى تعطلت لأجل غير مسمى ووحدتى كل ذلك يضغط على أعصابى ويكاد يطيح بعقلى.
  ولكن بعد فترة استسلمت لقدرى، وتقدم لى بعض الراغبين فى الزواج منى، لكن لم استطع ارغامهم على مشاركتى عبئى وكذلك لم استطع التخلى عنه، حتى هذا الحلم تأجل إلى أجل غير مسمى، كنت كمن تدور فى الساقية استيقظ فأجهز له إفطاره ثم أذهب به إلى مركز لتدريب المعاقين،وأذهب لعملى ثم أعود به للمنزل وأقوم بكل أعمال المنزل، وفى المساء يتناول عشاءه وينام كالطفل وهو يسند برأسه إلى كتفى، وأظل أدور أنا فى المنزل كالفراشة التى تحترق، لامن ونيس ولا من جليس أقرأ روايات أعيش مع أبطالها فى الخيال ، هذا ما كان يخفف عنى بعض همومى، وأنهمك فى القراءة وفى إحدى أيام الأجازة قررت أن أقوم بنظافة شاملة، وخاصة أن مركز التدريب قام برحلة وأشركت أخى فيها لأستريح من المسئولية بعض الشىء، وأتفرغ لأعمالى المنزلية بهدوء.
وعندما فرغت من الغرف توجهت للصالة، وعند ذلك الجدار القديم، كان هناك لوحة قديمة لشاب وسيم يركع عند قدمى فتاة جميلة ويقبل يديها وينظر نحوها بحب وشغف شديد، شدتنى تلك اللوحة وكأنى أراها للمرة الأولى، وظل بصرى مركزاً على اللوحة ربما سرح خيالى أو لست أدرى لكن الشاب الوسيم فى الصورة خرج من لوحته المسجون بها وركع عند قدمى، وقبل يدى وطلب منى أن أرقص معه، وظل يدور بى وأنا كالفراشة أدور وأحلق فى جو من السعادة، لم أدر كيف أصف طعم ذلك الاحساس، ظل يحدثنى عن جمالى، وعن أنه يرانى بينما لا ألتفت أنا إليه، وعندما دق جرس الباب معلناً وصول أخى كان قد مر الكثير من الوقت، حدد لى موعداً لنتقابل فى المساء وعاد إلى لوحته وفتحت أنا الباب، واختفى.
ظللت أعتقد أن ماحدث من نسج خيالى، وأنه بالطبع غير حقيقى، وجاء المساء ولكن ماحدث بالنهار أرقنى، حاولت النوم لم استطع، عدت للوحة ونظرت وتلمستها فإذا به يقفز من داخلها، ويقول لى هل تأخرت عليك أذهلنى حضوره، ظللت أهز رأسى وأقول لنفسى هذا خيال-هذا خيال، لكنه واجهنى ونظر فى عينىَ وقال لى (أحبك)، سهر معى حتى الصباح، شاهدنا القمر والنجوم وبزوغ الفجر، كيف لم أتذوق جمال كل تلك الأشياء، وجاء الصباح وقمت بما أقوم به كل يوم، لكنى كنت أكثر سعادة، وأكثر اندهاشاً لما يجرى، وجاءنى فى الليلة التالية والتى تليها والتى تليها وأصبح يأتينى كل ليلة، وأصبح للحياة طعماً آخر، أتزين كل مساء وأنتظره بفرحة، يكاد قلبى يطير من السعادة، كان يسمينى(ملكة الليل المتوجة)، شاهدنا أفلام السهرة سوياً، ودفنت رأسى فى صدره لأخفى دمعاتى بين جوانحه، كانت ضماته كارتشاف النحل لرحيق الزهور، ما أجمل الحب وأروعه، كيف لم أعش ذلك الاحساس من قبل تحدثنا وثرثرنا ولعبنا وتناقشنا، كان يساعدنى فى تجهيز العشاء ويوقد لى الشموع، وتظل نظرات عيوننا متعانقة حتى يأتى الصباح، فيراقصنى على أنغام من عزف العصافير، معه تبدل حالى واستعدت شبابى الذى ضاع فى غفلة منى، أشعل فى الحياة، جعل للوقت والأيام قيمة، ونشر الألوان فى كل مكان ليغطى قتامة الدنيا التى عشتها لسنوات.
وقررت ذات يوم أن أجدد المنزل ليعبر عن فرحتى بحبى الجديد ويناسب حباً وليداً، وليسعد حبيبى وتم الإتفاق مع العمال، تركت المنزل لهم على أن أعود لهم فى نهاية اليوم لأجد الجدران القديمة المتهالكة وقد جدد شبابها، وعادت حية مثلى من جديد تنبض بالفرحة والحياة لكنى فؤجئت باختفاء لوحة حبيبى، وعندما دارت عيونى فى أرجاء المنزل متسائلة رد أحد العمال(معلش ياهانم اللوحة القديمة التى كانت على الحيطة وأنا بأشيلها انكسرت، معلش عموماً هى كانت مش مناسبة للحيطة الجديدة) كدت أقطع أوصاله، وهالنى منظر اللوحة وهى محطمة تماماً ولم يكد وجه حبيبى يظهر، هرعت إلى بائع اللوحات ليجد لى طريقة لإصلاحها فأخبرنى أن تصليحها غير مجدى ، ظللت أتوسل إليه، وهو ينظر إلى بدهشة وتعجب متسائلاً أى قيمة للوحة قديمة مهشمة وطفق يعرض على لوحات يظن أنها أفضل من لوحتى، فتركته وعدت إلى البيت أحاول جمع أجزاء حبيبى حتى يعود إلى، لكن الليال مرت ولم يعد حبيبى، ظللت أتندم ليتنى تركت الجدار القديم واللوحة فوقه لكنت أعيش الآن فى سعادة مع حبيبى. 

الخميس، 24 يناير 2013

زفاف ملائكى



"كانت تجلس فى الخيمة المجاورة لخيمتى فى الميدان، وكانت تحدثنى عن زفافها المنتظر منذ دقائق" قلت العبارة وأنا مذهولة أنظر ليديها المخضبتان بالدماء بدلاً من الحناء، أى يوم هذا الذى تتمنى فيه العروس أن تدخل دنيا جديدة بالزواج، فتخرج منها الحياة باعتداءً غاشم، أنظر لوجهها لم تفارق وجهها الابتسامة ، لكنها لن تكون فى انتظار خطيبها الذى سافر ليعمل حتى يدفع أقساط الشقة والأثاث بعد خطبة دامت لسنوات وقصة حب بدأت منذ الجامعة، كانا يعرفان أنه من المستحيل أن يتخرجان فيجدان عملاً على الفور، وأن تكاليف الزواج صعبة، وظروف أسرتيهما لا تقدم ولو بارقة ضئيلة من أمل للمساعدة فى إتمام زواج سيعترض عليه الجميع فأبيها وأمها يتمنيان لها "عريس مريش" يحمل عن كاهلهما كل أعباء التجهيز ويحضر لها شبكة وشقة وأثاث فاخر فهما موظفان بالكاد استطاعا أن يساعدان أبنائهم على التخرج من الجامعة، ولا يستطيعان أكثر من ذلك، أما هو فهو الأخ الأكبر لثلاث بنات يريد أبوه أن يساهم معه فى أن يستر أخواته فى بيوت عدلهن، ومع ذلك فقد قررا أن يتحملا كل شىء من أجل أن يكملان حياتهما سوياً فى بيت صغير ويحققان المستحيل معاً.
تخرجا وعملا فى كل شىء وأخيراً استطاعا أن يكملان حق شبكة بسيطة ويقنعان أسرتيهما أن يعلنان خطبتهما على أن يبحث عن فرصة عمل خارج البلاد ليحضر باقى مستلزمات الزواج من شقة وأثاث ومرت أربع سنوات منذ أن وجدا عقد عمل دفعا فيه كل ما استطاعا أن يبيعانه بل وأقترضا من كل الأقارب والمعارف، وها هو يستعد للعودة ليتم الزفاف بعد أشهر، وقد تم تجهيز الشقة وحجز القاعة للفرح ، و هى جهزت الثوب الأبيض وأحضرت الرفايع من جهاز الشقة، وطبعت الدعوات ووزعت وانتظرت عودة العريس الذى يطرب قلبها لمجرد سماع أنهما سيتزوجان أخيراً، وقبل عودته قامت الثورة ، فاشتركت هى واستعجل هو العودة حتى يشارك ، كانا يريدان لمصر الحرية ويتخلصان من عبء الحكم الظالم الذى قهر أحلامهم وأحلام الكثير من الشباب، ولكنها سبقته حتى يعود ويلتقيان فى الميدان وسيؤجلان موعد الفرح إلى اليوم الذى ستفرح فيه مصر بأكملها بانقشاع غمة الظلم، وبتغيير قاعة الفرح لميدان التحرير وتغيير المدعوين إلى كل أهالى مصر المحروسة الشرفاء الثوار، لكنها الآن تموت، جاء شابين يخترقان الجموع لنقل المصابين للمستشفى الميدانى وفجأة جثم أحدهما أمامها وفرت دموعه غزيرة وهو يتمتم بالآتى(ما عرفتش أوصلك وأقولك انى جيت الميدان عشان المحمول شبكته مقطوعة، وعاهدتينى ما تزفيش إلا وأنا جنبك وأديكى بتتزف وحواليكى الملايكة وأنا مش رايحة معاك اتغرب تعشانك ورجعت عشان مصر وعشانك لكن أديكى سايبانى لحد أمتى هتفضلى كل ما أحاول اقرب منك خطوة تبعدنى عنك الأقدار خطوات) وكأن الموت أراد أن يمنحه لحظة وداع أخيرة ففتحت عيونها وهمست له(هاستناك زى ما باعمل دايماً) ولفظت أنفاسها الأخيرة، وبعد أيام حاولت البحث عن الشاب داخل الميدان لأعطيه غرضاً يخص الشهيدة فلم أجد له أثر، فإذا بى أجد صورة لشهيد شاب مجهول قالوا انه استبسلت فى الدفاع عن ميدان التحرير والثوار، أراد تعديل موعد الزفاف وشكله ولكن القدر هيأ لهما زفاف ملائكى فى السماء.