الثلاثاء، 22 أغسطس 2017

الوجه الآخر لقصتنا معا

دق هاتفها فتململت فى فراشها تحاول الوصول بيديها للهاتف المتواجد على المنضدة المجاورة للفراش، نظرت إلى الشاشة المضيئة فاذا باسمه على الشاشة لأول مرة منذ شهور، اعتصر الحزن قلبها وطافت الذكريات برأسها ما الذى ذكره بى الآن، ولأى غرض يتصل آلا يكفينى ما عانيته حتى تغلبت على الفراق؟ غالبت شوقها فوجعها وكبريائها كانا أكبر من أن ترد، وضعت هاتفها وقامت لتشغل الراديو كعادتها كل صباح فجاءها صوت ماجدة الرومى (أخرج من معطفه الجريدة) تلك اغنيتهما معا، فقد تقابلا فى أحد تلك الكافيهات، وبدأت القصة هناك يوم أن وقعت القهوة ولطخت ردائها الأبيض وانسكبت على الهاتف واللاب توب فقام مسرعا من على منضدته يحاول مساعدتها وهى فى قمة الحرج لا تدرى كيف تتصرف وما زاد من احراجها وجود رجل فى المكان فقد اختارت ذلك المقهى او الكافيه لأنه يكون خاوياً من البشر فى ذلك التوقيت، أنها حتى لم تلاحظ وجوده فى المكان قبل ان يتحرك لمساعدتها فقد كانت منهمكة فى البحث عبر الانترنت عن فرصة جديدة للسفر أو الهجرة أو العمل فى الخارج، فقد انتحرت الأحلام فى بلادها على مقصلة الظلم والفساد المنتشرين بها، فما كان منها إلا البحث عن مهرب لتنجو بأحلامها، يوم أن قابلته كانت الدنيا قد كسرت قلبها، فأصبحت كصخرة صماء تتحرك داخل نهر الحياة، لكن عينيه شئ آخر اختطفاها من كل شئ اربكها ذلك العمق والدفء فيهما استفاقت على ماهى فيه، عرض أن يوصلها شكرته وتحركت للخارج واوقفت تاكسى وعادت لمنزلها وعيناه لم تبرحاها، وفى اليوم التالى ذهبت الى الكافيه مرة أخرى لكنها كانت تبحث عنه هذه المرة فقد كانت تريد ولسبب ما لا تعرفه أن ترى دفء عينيه، وبعد أن جلست مر وقت ولم يأتى ظلت تؤنب نفسها على ذلك التفكير الطفولى وتلك المراهقة التى لا تناسبها، وقالت لم عدت عن عهدى مالى وهذا الشخص؟ وقررت الانصراف وهى تشعر بضيق، دفعت حسابها وعند الباب وجدته نظرا لبعضيهما وحديث توهمته بين عيونهما هى تساله لما تأخرت وهو متوسلا أنتظرى جئت من أجلك؟ لكنها استفاقت وغادرت بعد ان انتشت بنظرة عينيه وذلك العطر وتحية خاطفة منه، تكرر الموقف حتى جاء يوم خرجت أثناء دخوله وتذكرت بعض الأشياء التى يجب ان تشتريها فذهبت للسوبر ماركت المقابل فوجدته خارجا تعجبت لم يدخل غير من خمس دقائق فقط فيما جاء وفيما ذهب؟ أثار ذلك فضولها، وقررت أن تتابع من بعيد فوجدته يبحث من داخل سيارته بعينيه عن شىء ما، لم تفهم لكنها ارضت نفسها بالإجابة ربما جاء له استدعاء عاجل من عمله، وفى اليوم التالى كررت الفعل فوجدته يغادر بعدها بخمس دقايق، وذات يوم قررت أن تنتظر مجيئه حتى يأتى مهما تأخر وبعد قليل فصل هاتفها وطلبت شاحن من أحد العاملين فى الكافيه فجميعهم يعرفونها من كثرة ترددها عليهم لكنه لم يجد لديه من نوع هاتفها، فى نفس اللحظة قام هو وخرج واستاءت ثم عاد ومعه الشاحن وهى تلملم اغراضها لتذهب فقد اعتقدت انه ذهب ولم يكن ينتظرها كما توقعت وما فاجأها هو أنها وجدت ان الشاحن عليه ملصق يوضح انه جديد لكنه اخبرها ان لديه نفس نوع الهاتف ثم اخبرها أن هناك تطبيقا يوفر استهلاك الطاقة فسلمته الهاتف بحركة لاإرادية كى ينزله لها جلس وحاول فتح الهاتف قال لها دعيه قليلا فى الشاحن وطلب من العامل اثنين من نوع القهوة التى تحبه وقبل أن تشكره فاجأها بطلب الشيكولاته التى تحبها مصاحبةً للقهوة هل هى مصادفة ام انه كان يراقبنى؟ وبدون مقدمات بدأ يقدم نفسه هو مهندس اليكترونيات لديه شركة ناشئة عائد حديثا من فرنسا تاركا ابنته مع طليقته الفرنسيه، ومعلومات كثيرة حتى تعجبت لما يخبرها ذلك الغريب عن كل تفاصيل حياته، لم تعرف وقتها أنه يحبها ويتابعها منذ شهرين كاملين ويلغى مواعيده ليظفر بتلك الدقائق ليراها قبل أن تغادر ويطلب القهوة ويغادر دون تناولها ليلحق بها عسى أن يعرف عنها أى شىء، وأن موقع الكافيه بعيدا عن مسكنه وعمله ويوم أن رآها أول مرة كان مارا بالصدفة بعد مقابلة أحد عملائه، فكان يقود سيارته مسافة طويلة ليراها، لم يخطر ببالها يوماً أن يفكر بها رجل على هذا النحو، وقد تركت ملقاة سابقا على قارعة الطريق من شخص اهدته حياتها وأخذت عليه ميثاقاً غليظا بأن يكون الحامى والسند وغادرت منزل أهلها معه عروس لتعود اليهم حطام، سألها عن نفسها فلم تبح الا بالقليل كانت مشدوهة وقد أخذت الوساوس تلعب براسها هل هذا الرجل مجنون؟ أم يعتقد أننى فريسة سهلة؟، أوهمته أن لديها موعدا وتأخرت واعتذرت وهى ترى عينيه وقد تحولا الى بحر هادر الأمواج ونظرة غاضبة متوسلة آلا تهربى؟ لكنها آثرت السلامة، وقررت ألا تعود وبعد مرور أسبوع عادت لتجد عامل الكافيه يخبرها أن المهندس فلان سأل عنها ومعه شىء يخصها؟ لم تنتبه إلى أنه نسيت مفاتيحها من شدة ارتباكها يوم أن جلسا سويا ذلك ما اعتقدته، لكن الحقيقة هو من أخفى المفاتيح ليكون هناك سببا قويا ليتحدث معها مرة أخرى، وعندما همت بالمغادرة استوقفها وسألها ألم تضيعى شيئا وأظهر لها المفاتيح قبل ان ترد وعلا وجهها نظرة غاضبة، فقال لها فهمت لن أزعجك مرة أخرى لكنى ارجوكى ألا تغيبى مرة أخرى فقد افتقد طلتك التى تبهج ذلك المكان الموحش وسأجلس كما كنت دوما، كلماته اذابت جليد قلبها وفتت صخوره فشكرته وهمت بالانصراف، فسألها هل اطمع أن تسمحى لى بانزال ذلك التطبيق لتوفير طاقة هاتفك لن يستغرق الأمر سوى ثوان معدودة وفى ثوان كان قد انزل التطبيق وأضاف نفسه على ما تملكه من تطبيقات السوشيال ميديا، وبدأت القصة رجلا يحبها بجنون وهى خائفة بشدة لكنه استطاع أن يقلص ذلك الخوف، تعامل مع طفولتها ولم يؤنبها بل استمتع بتلك التصرفات العفوية الطفولية وتلك الرغبات الساذجة، وعاشت معه المراهقة التى لم يتسنى لها أن تعيشها من قبل، اختطفها لعالم من السحر والغموض وكأنه ملك الجان وهى من تملك مصباحه السحرى، فإن تمنت نفذ لها ما تتمنى لا يكف عن اضحاكها  فى كل مكالماته طوال الليل ضحكت كما لم تضحك من قبل فى حياتها، كان يذهب بها إلى كل مكان يرسمه خيالها، جرى معها تحت المطر يضحكان سويا ويأكلان الآيس كريم، ترك سيارته ليمشيا سويا ويأكلان الذرة، أكلا معها الكشرى من عربة فى الطريق وتعب يومها لكنه لم يغضب منها ولم يشعرها بالذنب، كان فرحا بما تريه اياه وترى السعادة فى عينيه رغم ان الآخر أخبرها أن لديها رغبات حمقاء وتحب الذهاب لأماكن غريبة، لكنه كان فتاها المنتظر وفارسها المجهول، عندما وقعت على الارض وهما يلعبان سويا فى الحديقة أنب نفسه أنه لم يكن قريبا منها حتى تتلقفها يداه قبل ان تتلقفها الارض، كان يخاف عليها بجنون، كان الأب والأخ والصديق والحبيب،  فاصبحت ترى وجهها وقد اشعلت فيه السعادة مواطن الفتنة والأنوثة، نعم أنه الحب، ما جعلها تهيم به هو مستوى التعامل الراقى وذلك التقدير والاحترام الذى يظهر فى كل أفعاله معها، كان يعاملها وكأنها وردة يخاف لمس اوراقها حتى لا تسقط من رقتها، وفى الوقت الذى وهبها فيه الحياة اخبرها أنها وهبت له الحياة، حتى عندما عرض عليها الزواج وفزعت وطلبت مزيدا من الوقت لتتعافى من قصتها القديمة لم يغضب منها بل آثر أن يظل منتظراً على قائمة الانتظار حتى ترضى، ومرت الأيام الرائعة والسحر والشغف يحاوطها، ثم اختفى وكأنه حلم فجن جنونها بحثت عنه فى كل مكان لم تجده، هاتفه لا يرد، ذهبت لعمله الذى لم تذهب له من قبل وتفاجأت بأن غادر لفرنسا ليرى زوجته وابنته، من تقولين زوجته؟ ألم يخبرها أنه مطلق، حطمتها تلك المعلومة وأوقعتها فى بئر سحيق ألم تكتفى من كذب الرجال؟ هى الملامة فلما صدقت أن حظها العثر سيتحسن، نحرها بكذبه فأقامت مأتماً فى قلبها عليه واعلنت الحداد لباقى العمر لأن رجلها مات أما الكاذب فهو من ظل على قيد الحياة، وعاد بعد شهر بحث عنها لم يجدها ووصل اليها استجداها اخبرها انه لو طلق زوجته الفرنسية لفقد الصلة والحق القانونى لابنته وانه مضطر حتى يضمن ان تتربى فتاته فى جو متزن بدلا عن مصاحبة أمها للرجال والقانون لا يمنع النساء المطلقات هناك من ذلك، وهو لا يستطيع ضم ابنته لحضانته وأن ما بينهما وزوجته مات، واقسم لها انه لم يعد يأبه لأحد من النساء سواها لكنها كانت قد ماتت من الداخل نظرت اليه بعينين خاليتين من الحياة وتركته ومضت وهاهو يعود ليستجديها مرة أخرى لكنها كانت قد انهت اجراءات الهجرة وموعد سفرها بالغد اكملت حزم حقائبها، وفى اليوم التالى تركت هاتفها الذى ما انفك أن يضىء من الأمس باسمه وأغلقت باب الشقة وغادرت إلى المجهول.

الأربعاء، 22 يونيو 2016

لما قالوا ده ولد اتشد ضهرى واتسند



"لما قالوا ده ولد اتشد ضهرى واتسند، ولما قالوا دى بنية اتهد سقف الدار عليا"، فى تراثنا الشعبى عرفنا كتير من الأغانى الفلكلورية والأمثال الشعبية اللى بتمجد خلفة الولد وتعتبر خلفة البنت ابتلاء، وده رغم ان الاسلام جه هدمه والقراءن الى بيقروه الناس بيوضح بشاعته، ورغم الثقافة والتعليم والبدل الشيك والسفر وغيره وغيره من حاجات الناس المفروض اتطورت فيها، لكن لسه بيعتبروا ان خلفة الولد افضل من البنت وان اى ولد مهما كانت عيوبه افضل من اى بنت مهما كانت مميزاتها ، إلا من رحم ربى طبعا وقبل ما تقولوا لا مابقاش حد يفكر كده هاقولكم لا انا كنت مفكرة ان اللى بيفكروا كده انقرضوا لحد ما بابا صدمنى وانا باحكى له عن حد باستهجان شايف ان خلفة البنات دى هم واتجوز على مراته عشان يخلف ولد مراته الجديدة راحت خلفت له بنت قام طلق الاتنين، وانه حد زى ده لازم يتحاسب على افعاله وغبائه، ورد بابا الرد الصادم لا الولد امتداد ابوه الطبيعة حكمت واقتضت كده لكن البنت عمرها ما تكون امتداد لابوها، الدنيا دارت بيا بصراحة وسالته ليه قالى الولد هيخلف واولاده هيشيلوا اسمى ويبقوا ذكرى ليا اما البنت هتروح تخلف عيال لعيلة تانية ويشيلوا اسم راجل تانى.
عشان بس كده يابابا انا ما انفعش اكون امتدادك، ليه يا بابا مش انت اللى علمتنى أنه يوم ما اتوجدت فى رحم امى ربنا تعهد أنه هيكون فى عونك، وانا جنين اربعين يوم وقال لأخويا كن فى عون ابيك، ومعونة ربنا احسن من معونة العبد، مش انتى اللى علمتنى ان تربية بنتين وتاديبهم وتعليمهم هيكون ليك ستار من النار يوم القيامة وانت معدى من على الصراط، عشان كده طول عمرى كنت حريصة اكون مؤدبة والناس تقول ونعم اللى ربى وانتى قلت لى انى عندك بمية ولد، مش انتى اللى قلت لى ان تفوقى ونجاحى بيرفع راسك وان حصولى على الماجستير والدكتوراه كانوا احلى يوم فى عمرك، طيب والرسايل العلمية اللى شايلة اسمى واسمك ما انت اللى شجعتنى وعلمتنى وصرفت عليا والعلم ده لو انتفع به احد هيكون صدقة جارية بعد موتى وموتك، مش انتى اللى علمتنى أن البر مش الطاعة ولا خدمة الأب والأم لكن بالدعاء وبادعيلك بالرحمة والمغفرة انت وماما عقب كل صلاة، مش انتى اللى علمتنى اخراج الصدقات وبالذات الجارية فهتفضل فى ميزان حسناتنا احنا الاتنين، لانك علمتنى ان انا ومالى لابى، يابابا بعد موتك مش هينفعك اسمك ولا عدد احفادك هينقطع عملك الا من ثلاث ولد صالح يدعو لك وعلم ينتفع به وصدقة جارية والثلاثة انا عملتهم وفى نيتى يتحطوا فى ميزان حسناتك وميزان حسنات امى وميزان حسناتى لا اسمك هينفع ولا احفادك هينفعوك، يابابا لما بتتعب قلبى انا بيتقطع عليك ودموعى ما بتنشفش الا لما تخف، لماباشوفك بتضحك قلبى بيفرح وباعتبرك اهم وافضل راجل فى حياتى ، وكل اللى عملته فى حياتى عشان تكون انتى فخور بيا وبعدها تقولى انى مش امتدادك عمربن الخطاب وئد بنته حية وكانت تمسح عن لحيته التراب وهو يحفر لها قبرها، وده كان فى الجاهلية وظل عمر نادما على ذلك وانت بكلمتك دى وئدتنى حية وخليت كل اللى عملته وباعمله عشان اسعدك مالوش اى وزن جنب ان اخويا خلف ولد وهيشيل اسمك، يابابا كتبى ومؤلفاتى الجاية باذن الله هتشيل اسمى وتخلد اسمك معايا لحد يوم القيامة، اما احفادك واحفادهم دا لو فضل احفادهم يستخدموا اسمك هيعيشوا مية او مائتين او ثلاثمائة سنة، يابابا افتكرت وانت مثلى الأعلى انك غير جدى وهتعتبر أن امتدادك مش على اساس النوع لكن على اساس اللى يسعد قلبك وينفعك بعمله الصالح وبخلقه بين الناس وبعلمه فى الدنيا والآخرة هو ده امتدادك ، عارفة انك بتحبنى ومش بانسى حنيتك ولا دعمك ليا بس الكلمة كانت صعبة اوى لو تعرف قد ايه باحبك يابابا وكل نجاح وكل جهد بابذله بابقى بس عاوزة افرحك انتى واخليك فخور بيا ماكنتش قلت انى مش امتدادك ولكل اب راجع نفسك لو ده  تفكيرك.

الأحد، 19 يونيو 2016

الأخرى التى سكنتنى


نعم كنت طفلة العائلة المدللة، أملك روحاً مرحة ضحكاتى تملأ جو منزلنا صخباً، وأمى كانت تحيطنى برعايتها وعنايتها، ولى أخ مهمتنا سوياً التشاجر على كل الأشياء، كانت حياتى صاخبة ممتلئة بالأصدقاء والسهر فى جو عائلى مرح، أيام كانت هناك عائلة وأفرادها يحبون السهر والسمر وتذكر المواقف المضحكة، ولكن كبرنا وكبرت هموم أفراد العائلة وتباعد أطرافها ومات الأجداد وتحارب الأعمام والخالات على الميراث ، وازدادت المشاكل بصراع المصالح ، وكل فرد من أفراد العائلة أصبح يحارب لأجل أبنائه، ودارت العجلة ليزيد الصراع حول من يجمع لأبنائه ثروة ، يعلمهم أفضل ، يزوجهم أولاً، وضاع الضحك وصخب ليالى السمر وأصبح كل فرد فى العائلة يضغط على أبنائه ليتفوقوا، وبات كل فرد مشغولا بصراعه مع الزمن، أما أنا فقد كنت أشتاق لذلك المرح ، وقد أنهك روحى خصام أفراد العائلات فما كانوا يتصالحون حتى تقع مشكلة تافهة تفرق بينهم لسنوات، فاتجهت لصديقاتى واستكملت مرحى وشقاوتى واكملت درب سعادتى بين رفيقاتى فى كل مرحلة واتخذت منهم عائلتى الموازية ، فكنت كالزوج أعود للمنزل حتى أسمع النكد ذاكرى تفوقى تعلمى كذا افعلى كذا ألا ترين ابنة خالتك تفعل وتفعل، وابنة عمتك ماهرة فى كذا وكذا، فأدخل بدعوى الانكباب على كتبى لتحقيق أمانى أسرتى فى التفوق وأدس قصص أدبية بين كتبى أقرأها وأطالعها طوال الوقت، وبين كراسات الواجب كنت أخفى دفتراً لمذكراتى أبثه همومى وفى النهار استمتع مع رفيقاتى بالضحك واللهو حتى أننى كنت أكره الأجازات، وكبرت وكبرت معى شقاوتى وانتقلت للجامعة فكنت اقضى كل وقتى بين رفيقاتى اضحك وألهو وأدبر المقالب المضحكة، وبين ليلة وضحاها لم أعد الطفلة المعجزة نموذج العائلة المثالي ، لم أدخل الكلية التى رغب أهلى بها واخترت تخصصاً أحببته وتآلفت روحى معه وكرهه والداى بل احبط خططهما، وبعد التخرج رغبت أن اكمل دراستى فاذا بالعرسان يهربون فتأخر زواجى، وأكملت دراستى ولم يكن لدى الواسطة لأتقلد المناصب الرفيعة وأصبح الغم والهم يحاوطنى فى كل درب أسير فيه واختفى ضحكى الصاخب وبت أضحك بشفتاى لكن قلبى أصبح حزيناً كسيراً ،فتوظفت بوظيفة لا أحبها، وتزوجت حتى أخرس الألسنة ولأن الزواج فريضة أديتها كان لا اختيار لى،وضاعت أحلامى حين حدثت فى بلدتى ثورة اعتقدت انها معجزة فاكتشفت اننا فى مؤامرة كبيرة، حتى صحوت يوماً فلم أعد أشعر بشىء لا السعادة ولا التعاسة ولا الخوف وبت أبحث ماذا حدث واتساءل ويسألنى الناس ماذا بك؟ وذات مرة مثلت الفرحة والأخرى مثلت الحزن حتى اصبحت اجيد تمثيل كل المشاعر التى لا أشعر بها فى أى موقف ولم يعد هناك أنا بل احسست أن هناك أخرى تسكننى تقوم عنى بكل شىء فما عدت أهتم لأى شىء وضاعت الأيام وظهر الشيب والأمراض التى تصاحبه وتعجب الآخرون ألا أخاف الموت الذى اصبح وشيكا فكنت أسخر منهم داخلى لقد ماتت روحى منذ ماتت ليالى المرح والسمر والأحلام وانتظار غد أفضل لكن الوقت حان لكى تموت تلك الأخرى التى اغاظتنى باحتلالها جسدى فيتحرر جسدى أخيراً